وكان وكيل دار السلطان في وزارة سعد الملك أميري القزويني المعروف بالزكي ذو كيسة من جملة التجار ، وكان قد هرب من أبي مسلم رئيس الري ، والتجأ إلى سعد الملك . فأراد الوزير أن يكون بينه وبين السلطان من يتردد في المهمات ويأتيه بجواب المؤامرات والرسالات . والذي يتولى أخص من منزلة الحجاب ، ويجب أن يكون بلغيا منطقيا . متجرعا في مضايق الكلام الغصص مسيغا . مستقلا بإقامة الحجة عند الحاجة متجنبا للسماجة بقول ينسب إلى السماحة عارفا بأخلاق السلطان في أوقات رضاه وسخطه ، وقبضه وبسطه . فإذا وجده منقبضا تلطف في تنشيطه مما ينفق عليه من الحديث الرائق ، والقول النافق . حتى إذا رأى منه سيماء القبول حدثه بمقصوده ، وإلا جرى في الإمساك على معهوده . فإن السلطان لا يثبت خلقه على حالة ولا بد له من ضجر وملالة .
وكان هذا القزويني خاليا من هذه المعاني كلها ، لكنه التمس إلى سعد الملك هذه الولاية ، فأجابه إلى ملتمسه ، ووافقه على هوسه لسلامة نفسه . وذهب عنه أنه سوقي قفز من الدكان إلى باركاه السلطان ، فزاحم أركان الدولة بالمكانة والمكان ، وكان إذا خاطب السلطان وشافهه ، حدث له عجب فانخرع وانخلع . وخرع عما فيه شرع ، وجمع بين الأروى والنعام والضباح والبغام . ثم لا يتكلم إلا بكل ما يضر ويسوء ولا يسر . واستضر سعد الملك من جانب ذلك العاجز بغير قصد منه في حقه ، وأي ضرر أقوى وأمكن من كونه قتل في حبل خنقه . وكان عارض الجيش في وزارته أيضا أبو المفاخر القمي ، وكان قد غلب عليه في اصطلاح الخاصة والعامة نعت طرطنبيل ، وما عرفوه بغير هذا الاسم الثقيل . وصرف في وزارته وولي عمله عز الملك بن الكافي الأصفهاني وبقي فيه أشهرا . فلما أخذ سعد الملك ، اقترنت نكبته بنكبته واتفقت صلبته مع صلبته . واستدعى مختص الملك أبو النصر القاشي في وزارة سعد الملك ، وصرف به من ديوان الإنشاء محمد بن مؤيد الملك فقبل هذا وذاك طرد . وأقيم ذلك وهذا أقعد .
قال : وخلا الميدان للخطيبي فصار محكا للإسلام . وهو عند السلطان مقبول الكلام . وأصحاب السلطان عنه خاشون وإلى بابه غاشون . وكان إذا سأل السلطان عن واحد كيف تعرفه أجاب مرة بلا أدري ومرة بلا أعرفه وتارة أمهلني فإني أبحث عنه وأكشفه ، وتارة يشهد عليه بما يهدر دمه .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 244
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٢٤٤