وهذا ما يدعو إلى التفكير الطويل : السنيون يثورون على المحتل السني القادم إليهم ، وينتصرون للحاكم الشيعي ويثورون معه حين توهموا أنه ثائر على المحتلين ، ولا يبالون أن يقتلوا الجنود السنيين حيث وجدوهم .
والشيعة يقفون على الحياد فلا ينتصرون للحاكم الشيعي ، ولا يثورون على الحاكم السني ، ويزيدون على ذلك بأن يجمعوا الجنود السنيين ويحموهم ويصونوا دماءهم ! !
التفسير الصحيح لذلك - كما أشرنا من قبل - هو أن الحكم البويهي كان حكما عادلا غير متحيز لفريق على فريق ، وأن السنيين كانوا راضين كل الرضا عن هذا الحكم الذي لم يسء لا إلى حياتهم العامة ولا إلى مذهبيتهم ، ولم يتدخل في طقوسهم وعقائدهم ، بل تركهم أحرارا في كل شيء ، والحرية هي مطمح الإنسان ، فإذا حصل عليها فكل شيء بعدها يهون .
وكل ما فعله الحكم البويهي هو أنه كما ترك السنيين أحرارا ، رفع الحيف عن الآخرين وأعاد إليهم حريتهم المغتصبة ، وتركهم يمارسون هذه الحرية في طقوسهم وعقائدهم . .
وبذلك تساوى الجميع ، بعد أن كانت الحرية لفريق دون فريق . .
وسمعة الحكم السلجوقي كانت سيئة لدى البغداديين ، وأخبار مظالمه كانت تصل إليهم .
لذلك رأيناهم يقفون منه ذاك الموقف الحاد حين رأوه يصل إليهم . والإنسان لا تهمه حريته العقائدية فقط ، بل تهمه حريته الكاملة ، فماذا يجديه إذا كانت تترك له حريته العقائدية في حين تسلب منه حرية الحياة في كرامته وماله وعيشه واجتنائه العدل الاجتماعي .
ونحن هنا لا نريد أن نستعرض الحكم البويهي الذي قابل البغداديون انتهاءه بالثورة على من أنهاه ، وحسبنا في أن نورد نماذج مما شهد به المؤرخون من نصاعة
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 23
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٢٣