ويقول ابن الأثير عن عضد الدولة : كان عاقلا فاضلا حسن السياسة ، كثير الإصابة ، شديد الهيبة ، بعيد الهمة ، ثاقب الرأي محبا للفضائل وأهلها ، باذلا في مواضع العطاء ، مانعا في أماكن الحزم ، ناظرا في عواقب الأمور . وبنى على مدينة النبي ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) سورا ، وكان لا يعول في الأمور إلا على الكفاءة ، ولا يجعل للشفاعات طريقا إلى معارضة من ليس من جنس الشافع ولا فيما يتعلق به .
حكي عنه : أن مقدم جيشه أسفار بن كردويه شفع في بعض أبناء العدول ليتقدم إلى القاضي ليسمع تزكيته ويعدله ، فقال : ليس هذا من أشغالك ، إنما الذي يتعلق بك الخطاب في زيادة قائد ، ونقل مرتبة جندي وما يتعلق بهم . وأما الشهادة وقبولها ، فهو إلى القاضي ، وليس لنا ، ولا لك الكلام فيه ، ومتى عرف القضاة من إنسان ما يجوز معه قبول شهادته ، فعلوا ذلك بغير شفاعة .
وكان يخرج في ابتداء كل سنة شيئا كثيرا من الأموال للصدقة والبر في سائر بلاده ، ويأمر بتسليم ذلك إلى القضاة ووجوه الناس ليصرفوه إلى مستحقيه .
وكان يوصل إلى العمال المتعطلين ما يقوم بهم ويحاسبهم به إذا عملوا . وكان محبا للعلوم وأهلها مقربا لهم محسنا إليهم ، وكان يجلس معهم يعارضهم في المسائل ، فقصده العلماء من كل بلد وصنفوا له الكتب منها : ( الإيضاح ) في النحو ، و ( الحجة ) في القراءات ، و ( الملكي ) في الطب ، و ( التاجي ) في التاريخ إلى غير ذلك ، وعمل المصالح في سائر البلاد كالبيمارستانات ( المستشفيات ) والقناطر ( الجسور ) وغير ذلك من المصالح العامة .
هذه نماذج مما تحدث به المؤرخون عن رجال الحكم البويهي ، لذلك لا نعجب إذا رأينا البغداديين الذين لم يكونوا على مذهبهم يغضبون لزوال حكمهم ويثورون على من أزال هذا الحكم .
أما الشيعة فلم يشاءوا أن يورطوا أنفسهم في ثورة اعتقدوا أنها فاشلة ، فيجعلوا للحاكم الجديد سبيلا للإيغال في اضطهادهم ، ورأوا أن يكون لهم يد بيضاء عنده في
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 25
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٢٥