الحقيقة في ذلك تشرف البويهيين وحكمهم ، وتدل على أن البويهيين لم يكونوا يؤثرون فريقا على فريق ، فالسنيون لم يروا في زوال حكمهم زوال عهد كان لا ينصفهم ويتعصب عليهم ، والشيعة لم يروا في ذلك خسرانا ، لأن الحكم الزائل لم يكن يميزهم بشيء ، فهم لا يخسرون شيئا بزواله وحلول حكم آخر محله ، وقد فضلوا أن يبادروه بالإحسان إليه كما سنرى والسكوت عنه اتقاء لشر يمكن أن يحل بهم منه .
وثورة السنيين إنما جاءت لما كان يتسرب إليهم من أخبار مظالم السلاجقة فيما كان بأيديهم من بلاد .
بدأت الاضطرابات ابتداء غريبا ، فابن الأثير يقول : لما وصل السلطان طغرل بك بغداد دخل عسكره البلد للامتيار وشراء ما يريدونه من أهلها ، وأحسنوا معاملتهم . ثم يقول : فلما كان الغد جاء بعض العسكر إلى باب الأزج وأخذ واحدا من أهله ليطلب منه تبنا ، وهو لا يفهم ما يريدون ، فاستغاث عليهم وصاح العامة بهم ورجموهم وهاجوا عليهم .
وسمع الناس الصياح فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرل بك ، فارتج البلد من أقطاره ، وأقبلوا من كل حدب ينسلون ، يقتلون من الغز من وجد في محال بغداد إلا أهل الكرخ ( الشيعة ) فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز ، بل جمعوهم وحفظوهم ( انتهى ) .
في اليوم الأول كان التعامل حسنا بين الجنود ( الغز ) جنود طغرل بك وبين البغداديين ، فالجنود امتاروا من تجار بغداد وأحسنوا التعامل معهم ، وفي اليوم الثاني جاء جماعة منهم يريدون شراء التبن لدوابهم ، ويبدو جليا أنهم لم يكونوا يعرفون كلمه ( التبن ) العربية ، فحاولوا إفهام أحد المارة ما يريدون فأخذوه جانبا ليتفاهموا معه ، فظن أنهم يريدون به شرا ، فاستنصر بالناس فنصروه وتألب عليهم الجمهور وصاحوا بهم ورجموهم وتكاثروا عليهم ! .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 21
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص٢١