زرع عمره استحصد فما اقتصد ، وفي ألم ألّم وافتصد . ونام منفردا فانفجر فصاده ، لما غلبه رقاده . وخرج منه جم كثير أقوت منه قواه ، وانتبه والضعف قد تضاعف ، والحمام قد شارف . فطلب ثقاته واستحضر عدة الدين وأودعه وصايا يكون بها عن القائم القائم « 1 » . وأحضر النقيبين وقاضي القضاة والقاضي أبا الحسن بن البيضاوي والقاضي أبا محمد بن طلحة الدامغاتي ، والوزير قائم ، والقائم مستند في شباك ، وهو في سكون يشعر بما ليس بعده من حراك . وقال لهم : « اشهدوا على ما تضمنته هذه الرقعة كتبت فيها سطرين بخطي » ثم قضى نحبه . وتولى أمير المؤمنين المقتدي بأمر اللّه أبو القاسم عبد اللّه بن الذخيرة أبي العباس محمد بن القائم ، وبويع يوم وفاة جده ، وجلس في دار الشجرة على كرسي ، بقميص أبيض ، وعمامة بيضاء لطيفة ، وفوقها طراحة قصب دري . ودخل الوزير فخر الدولة أبو نصر ، وولده عميد الدولة أبو منصور ، واستدعى مؤيد الملك بن نظام الملك والنقيبان وقاضي القضاة وحضر أعيان الدولة من ذوي المراتب والكفاءة ، وهناك نور الدولة دبيس بن علي المزيدي وولده بهاء الدولة وأبو عبد اللّه محمد بن حماد الأسدي وبايعوه ، وعاقدوه على الطاعة وشايعوه . وصلى بناس في صحن السلام وأئتموا به ، وصلى على القائم وأغلقت الأبواب ببغداد ثلاثة أيام لعقد المأتم ، وجلس فخر الدولة الوزير وابنه عميد الدولة للعزاء ثلاثة أيام ، ومضى عميد الدولة إلى السلطان ملكشاه لأخذ البيعة عليه ، وحمل عهده إليه . وعاد إلى بغداد في سنة 468 ه وأوصله الخليفة إلى مجلسه الأشرف ، وخصه بإكرامه الألطف . وكان قد سير من الديوان القاضي أبو عبد اللّه محمد بن محمد البيضاوي في صحبة مؤيد الملك إلى والده نظام الملك ليسير منه إلى غزنة ، ويأخذ البيعة على صاحبها ، فعاد مصحوبا بالجدة قد أترب وفرع الرتب . ولما سكن إلى الثراء سكن إلى الثرى . وتوفي في شهر ربيع الأول من سنة 470 ه وكان فاضلا على مذهب الشافعي ذكيّا .
قال : وفي سنة 468 ه جد الجدب وحل المحل ، وحط للقحط الرحل .
هامش
( 1 ) القائم القائم : القائم الأولى تعود إلى القائم بأمر اللّه ، وتعني الثانية أن يكون قيما على تنفيذ الوصايا .