تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
وراح وله من الروح الأمين مجير أمين . ولما علم أن الكمين مكين ، وأن الضمير شاهد بما يشهده من النصر ضمين ، تلقى بوجه الحرّ حرّ الحرب ، واستحلى طعم الطعن وضرب الضرب . وحمل متملك الروم بجمعه ، وأخذ ببصر الدهر وسمعه ، وأقبل كالسيل يطلب القرار ، والليل يسلب النهار . وثبت لهم خيل الإسلام ثم وثبت ، وجالت وما وجلت ، واستجرت الروم إلى أن صار الكمين من ورائها ، ووقفت المنون بإزائها . ثم خرج من خلفها وذوو الأقدام من قدامها ، ووقعت نار البيض في حلفاء هامها ، فآذنت بانهزامها وانكسرت كسرة لا تقبل جبرا ، فطائفة لم تثبت للقتال ولم تصبر ، وطائفة ثبتت فقتلت صبرا ، فما نجت من أولئك الألوف آحاد ، وما سلمت من أعداء الإسلام أعداد . وملك الملك وقيد وقيد وقيذا « 1 » ، وأسر ولم يجد له معينا ولا معيدا . وركب المسلمون أكتافهم ، وقتل الآحاد آلافهم وطهرت الأرض من خبثهم ، وفرشت بجثثهم . وصارت الوهاد بأشلاء القتلى أكماء والمروت « 2 » من قصد القنا أجما . قال : وكانت مع الروم ثلاثة آلاف عجل تنقل الأحمال ، وتحمل الأثقال ، ومن المنجنيقات التي تحملها منجنيق هو أعظمها وأثقلها ، له ثمانية أسهم ، ويمد فيها ألف ومائتا رجل ، ويحمله مائة عجل . يرمي حجرا وزنه بالرطل الكبير الخلاطي قنطار ، وكأنه حبل له في الجو مطار . قال : وشملهم بأسرهم القتل والأسر . وبقيت أموالهم منبوذة بالعراء لا ترام ، ومعروضة لا تسام . وسقطت قيم الدواب والكراع ، والسلاح والمتاع . حتى بيعت بسدس دينار اثنتا عشرة خوذة ، وبدينار ثلاث دراع « 3 » . ومن عجيب ما حكي في أسر الملك ، أنه كان لسعد الدولة كوهرائين ، مملوك أهداه لنظام الملك فرده عليه ، ولم ينظر إليه ، فرغبه فيه كثيرا . فقال نظام الملك : وما يراد منه ، عسى أن تأتينا بملك الروم أسيرا ! وذكر ذلك استهزاء به واستصغارا لقدره
هامش
( 1 ) الوقيذ : المشرف على الموت . ( 2 ) المروت : المفازة بلا نبات . ( 3 ) جمع درع .