فأرسل ابن عمار وبذل للإفرنج مالا كثيرا ليسلموا الرجلين إليه ، فلم يفعلوا .
فوضع عليهما من قتلهما غيلة .
هكذا كان فخر الملك أبو علي بن عمار بطل الموقف بكل ما في البطولة من شجاعة وحزم وتضحية وحسن تدبير .
ولو كان الأمر يكون واليهود سائدين يومذاك بوسائلهم الإعلامية ، لنبزوه بلقب الإرهابي . فحيا اللّه ابن عمار : الإرهابي الأول في التاريخ الإسلامي .
ويصف ابن الأثير حال الناس في طرابلس قائلا : فعدمت الأقوات وخاف الناس على نفوسهم وأولادهم وحرمهم . . .
هكذا كانت الحال في الغرب الإسلامي جهادا ونضالا للصليبيين ، وكذلك كانت في الشرق على أيدي السلاجقة :
جهادا ونضالا للمسلمين ! .
يذكر ابن الأثير - خلال سرده للأحداث المتقدمة - خبرا موجزا لا بد من الوقوف عنده بعض الوقت : في هذه السنة ورد إلى بغداد إنسان من الملثمين ملوك المغرب ، قاصدا دار الخلافة ، فأكرم ، وكان معه إنسان يقال له : الفقيه ، من الملثمين أيضا ، فوعظ الفقيه في جامع القصر ، واجتمع له العالم العظيم ، وكان يعظ وهو متلثم لا يظهر منه غير عينيه . وكان هذا الملثم قد حضر مع الأفضل ( بن بدر الجمالي ) أمير الجيوش بمصر وقعته مع الإفرنج ، وأبلى بلاء حسنا .
وكان سبب مجيئه إلى بغداد : أن المغاربة كانوا يعتقدون في العلويين ، أصحاب مصر ، الاعتقاد القبيح ، فكانوا ، إذا أرادوا الحج ، يعدلون عن مصر ، وكان أمير الجيوش بدر والد الأفضل أراد إصلاحهم ، فلم يميلوا إليه ، ولا قاربوه ، فأمر بقتل من ظفر به منهم ، فلما ولي ابنه الأفضل أحسن إليهم واستعان بمن قاربه منهم على حرب الإفرنج ، وكان هذا من جملة من قاتل معه ، فلما خالط المصريين خاف العودة إلى بلاده ، فقدم بغداد ، ثم عاد إلى دمشق ، ولم يكن للمصريين حرب مع الإفرنج إلا وشهدها ، فقتل في بعضها شهيدا ، وكان شجاعا فتاكا مقداما .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 103
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص١٠٣