والثاني مثل مذهب الشافعية ، والثالث أن التحريم يثبت بثلاث رضعات فما فوق ، واستدلوا بحديث ابن الزبير الذي رويناه في أول المسألة « 1 » .
وقد ناقش الحنفية أدلة الشافعية والحنابلة فقالوا :
أما حديث عائشة رضي اللّه عنها ، فقد قيل : إنه لم يثبت عنها ، وهو الظاهر ، فإنه روي أنها قالت : توفي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم وهو مما يتلى في القرآن ، فما الذي نسخه ؟
والمعلوم أنه لا نسخ بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولا يحتمل أن يقال : ضاع من القرآن ، ولهذا ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء أن هذا حديث منكر ، وأنه من صيارفة الحديث ، ولئن ثبت فيحتمل أنه كان في رضاع الكبير ، فنسخ العدد بنسخ رضاع الكبير .
وأما حديث ( المصّة ، والمصّتين ) ، فقد ذكر الطحاوي أن في إسناده اضطرابا لأن مداره على عروة بن الزبير عن عائشة رضي اللّه عنها ، وروي عنه أنه سئل عن الرضاعة فقال : ما كان في الحولين ، وإن كان قطرة واحدة محرّم ، والراوي إذا عمل بخلاف ما روى أوجب ذلك وهنا في ثبوت الحديث لأنه لو ثبت عنده لعمل به ، على أنه إن ثبت فتحمل أن الحرمة لم تثبت لعدم القدر المحرم ، ويحتمل أنها لم تثبت لأنه لا يعلم أن اللبن وصل إلى الجوف ، وما لم يصل لا يحرم ، ولا يصلح هذا الحديث للاستدلال لوجود الاحتمال « 2 » .
ولذلك قال ابن عباس : ( إذا عقى الصبي فقد حرم ) « 3 » ، وكان قد سئل عن حكم الرضعة الواحدة ، والعقي اسم لما يخرج من بطن الصبي حين يولد ولونه اسود لزج ، ويستدل به على وصول اللبن إلى الجوف .
وأما قوله : إن الرضاع إنما يحرم لكونه منبتا للحم منشزا للعظم ، فنقول :
هامش
( 1 ) - ( المغني ) لابن قدامة ، 9 / 193 .
( 2 ) - ( مختصر الإمام الطحاوي ) ، 2 / 316 .
( 3 ) - ( السنن الكبرى ) للبيهقي ، 7 / 458 .