بعد وفاة نبيها ، وحماها من شرخ كبير كاد أن يمزّقها « 1 » .
ولم يكن أبو بكر رضي الله عنه يريد البيعة لنفسه ، ولكنه كان يريد إنهاء أمر البيعة في ذلك المجلس نفسه حتى يضمن انتهاء الفتنة ، ودفنها في منبتها ، ولذلك فقد قال للأنصار : ولقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين : عمر ، وأبي عبيدة ، فبايعوا أحدهما ، فقام كلّ منهما ، وقالا : لا نرضى غيرك خليفة ، وأخذا بيده فبايعا ، وسارع الأنصار لبيعته رضي الله عنه .
وهكذا فإنّ هذه الرواية عن أمر السقيفة توكد أن سعدا رضي الله عنه قد أقرّ لقريش بالإمارة ، وتوحي بأنّه بايع أبا بكر مع من بايعه ، ولكنّ الدساسين ، والوضّاعين ، وأصحاب الأغراض حاولوا تشويه الواقعة والإصرار على أن سعدا توفي ولم يبايع أبا بكر ولا عمر ، وصاغوا لذلك روايات مشوّهة ، وهي مروية عن محمد بن عمر الواقدي ، وهو كذّاب ، وضّاع ، متروك « 2 » . وقد ذكرها الذهبي « 3 » في سير الأعلام ، وعلّق عليها قائلا : إسنادها كما ترى « 4 » . وذلك لأنّ إسنادها معلول بالانقطاع بين رواته ، وكذبهم ، أو ضعفهم ، وأحسنهم حالا مستور الحال .
وقال ابن كثير : أمّا بيعة الصدّيق ؛ فقد روينا في مسند الإمام أحمد أنّ سعدا سلّم
هامش
( 1 ) - ذهب كثير من علماء السنة أن خلافة أبي بكر ثبتت بالنص واستدلوا لذلك بما جاء في الصحيحين من أن امرأة جاءت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم تسأله عن أمر ثم قالت أرأيت إن جئت فلم أجدك ؟ فقال لها : ( إن لم تجديني فأتي أبا بكر ) . وعندهما أيضا أنه قال : ( اقتدوا بالذين من بعدي : أبي بكر وعمر ) . وعن عائشة قالت : دخل علي رسول اللّه في اليوم الذي بدئ فيه فقال : ( ادعي لي أباك وأخاك ، حتى أكتب لأبي بكر كتابا ، ثم قال : يأبى اللّه والمسلمون إلا أبا بكر ) . انظر : ( شرح العقيدة الطحاوية ) لابن أبي العز الدمشقي 2 / 552 .
( 2 ) - اتفق علماء الجرح والتعديل على جرح الواقدي وتركه : قال في تقريب التهذيب : متروك . وقال ابن حجر : عن أحمد بن حنبل أنه قال عن الواقدي : كذاب ، وقال يحيى بن معين : ضعيف ، وقال مرة : ليس بشيء ، وقال النووي : الواقدي ضعيف باتفاقهم . وقال الذهبي في الميزان : استقر الإجماع على وهن الواقدي . راجع ( تهذيب التهذيب ) لابن حجر 9 / 317 .
( 3 ) - راجع هذه الأخبار في ( الطبقات الكبرى ) لابن سعد 3 / 463 ، و ( مختصر تاريخ دمشق ) لابن عساكر 9 / 245 ، و ( سير أعلام النبلاء ) للذهبي 1 / 277 ، و ( الاستيعاب ) لابن عبد البر 2 / 599 .
( 4 ) - ( سير أعلام النبلاء ) للذهبي 2 / 277 .