وذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة « 1 » إلى أنه لا يجزئ في مسح الرأس إلا الماء الجديد ، عملا بأدلة مذهبهم في أن الماء المستعمل لا يرفع حدثا ، قال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي : ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فضل عن ذراعيه ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم ، قاله الترمذي ، وجوّزه - المسح بالماء القديم - الحسن ، وعروة ، والأوزاعي لما ذكرنا من حديث عثمان ، ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا : المستعمل لا يخرج عن طهوريته ، سيما الغسلة الثانية والثالثة .
ولنا ما روى عبد اللّه بن زيد قال : مسح رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم رأسه بماء ، غير فضل يديه ، وكذلك حكى علي ومعاوية ، رواهنّ أبو داود . وقال الترمذي : وقد روي من وجه أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم أخذ لرأسه ماء جديدا ، ولأن البلل الباقي في يده مستعمل ، فلا يجزئ المسح به كما لو فصله في إناء ثم استعمله « 2 » .
واختلف المالكية على قولين : الأول أنه لا يجزئ إلا ماء جديد ، والثاني أنه يجزئ الماء القديم ، وذلك بناء على مذهبهم في أن الماء المستعمل يرفع الحدث والنجس ولكن الأفضل عندهم استئناف الماء .
والصواب - واللّه أعلم - أنه لا دليل على وجوب المسح بماء قديم كما قال الإمامية فحتى النصوص الواردة عن أئمتهم في ذلك لا تفيد الوجوب ، بل تفيد الإجزاء كما ذهب إلى ذلك المالكية ، والحسن ، والأوزاعي ، كما أنه وردت نصوص مروية عن أئمتهم بتجديد الماء عند مسح الرأس ، ولكنهم حملوها على أنها تقيّة ! « 3 » .
وقد تشدد الإمامية في الحكم بعدم إجزاء المسح بماء جديد حتى قالوا : ويجب
هامش
( 1 ) - ( بدائع الصنائع ) للكاساني ، 1 / 216 ، و ( المغني ) لابن قدامة ، 1 / 117 .
( 2 ) - ( المغني ) لابن قدامة ، 1 / 117 ، و ( سنن الترمذي ) ، الحديث رقم ( 35 ) .
( 3 ) - ( دروس في الفقه المقارن ) لآية اللّه الجنّاتي ، ص 98 ، و ( تحرير الوسيلة ) للإمام الخميني ، 1 / 25 ، و ( فقه الإمام جعفر الصادق ) لمحمد جواد مغنية ، 1 / 67 .