فهذه آثار في غاية الصحة رواها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم أربع صواحب عائشة ، وزينب بنت أم سلمة ، وأسماء بنت عميس ، وأم حبيبة بنت جحش ، ورواها عن كل واحدة عروة ، وأبو سلمة ، وهذا تواتر يوجب العلم .
وقال بذلك جماعة من الصحابة منهم : عائشة ، وابن عباس ، وعلي ، فقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن أيوب السختياني عن سعيد بن جبير أنه كان عند ابن عباس فأتاه كتاب امرأة ، فدفعه إليّ ، فقرأته ، فإذا فيه : إني امرأة مستحاضة أصابني بلاء ، وضرّ ، وإني أدع الصلاة الزمان الطويل ، وإن ابن أبي طالب أفتاني أن أغتسل عند كل صلاة ، فقال ابن عباس : اللهم لا أجد لها إلا ما قال علي غير أنها تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد ، وبين المغرب والعشاء بغسل واحد ، وتغتسل للفجر غسلا واحدا ، فقيل لابن عباس : إن الكوفة أرض باردة ، وإنها يشقّ عليها ، قال : لو شاء اللّه لابتلاها بأشد من ذلك .
وروي مثل ذلك عن ابن عمر وابن الزبير أيضا « 1 » .
ثم إن جمهور الفقهاء الذين قالوا : إن المستحاضة كالمعذور تتوضأ لكل وقت اختلفوا فيما يمكن للمستحاضة أن تصليه بهذا الوضوء فقال الحنفية : تصلي بوضوئها ما شاءت من الفرائض والنوافل ، ويبطل وضوؤها بخروج الوقت ، أو بناقض آخر ، ووافقهم على ذلك الحنابلة وقالوا : لها الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد .
وقال الشافعية : يجب الوضوء لكل فرض سواء كان فرض الوقت ، أو قضاء ، أو نذرا ، وتصلي بهذا الوضوء ما شاءت من النوافل « 2 » .
هامش
( 1 ) - مصنف ابن أبي شيبة 1 / 120 ، وانظر أيضا ( المحلى ) لابن حزم ، 1 / 270 .
( 2 ) - انظر مذاهب الفقهاء السابقة في ( حاشية ابن عابدين ) 1 / 199 ، و ( بدائع الصنائع ) للكاساني ، 1 / 303 ، و ( المجموع ) للنووي ، 2 / 550 ، و ( المغني ) لابن قدامة ، 1 / 334 ، و ( الشرح الكبير ) 1 / 359 ، وانظر : ( الفقه الإسلامي وأدلته ) للدكتور الزحيلي ، 1 / 637 .