ناوليني أحدهما ، فناولته إياه من تحت الخدر ، فضمه إلى صدره وهو يصغو « 1 » ما يسكت ، فأدلع له لسانه فجعل يمصه حتى هدأ وسكن ، فلم أسمع له بكاء والآخر يبكي كما هو لا يسكت ، فقال : ناوليني الآخر ، فناولته إياه ، ففعل به كذلك فسكتا ، فما أسمع لهما صوتا ، ثم قال : سيروا . فصدعنا يمينا وشمالا عن الظعائن حتى لقيناه على قارعة الطريق . فأنّى لا أحب هذين وقد رأيت هذا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ ! « 2 » .
وعن مساور مولى سعد بن بكر قال : رأيت أبا هريرة قائما على مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم يوم مات الحسن ابن علي رضي اللّه عنهما يبكي ، وينادي بأعلى صوته : يا أيها الناس ! مات اليوم حبّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم « 3 » .
فانظر إلى هذا الأدب ، وهذه المحبة منه رضي الله عنه لآل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم عامة .
المطلب الخامس - محبة عبد اللّه بن عمرو بن العاص لآل المصطفى صلى اللّه عليه وآله وسلّم :
كان عبد اللّه بن عمرو بن العاص أسنّ من الحسن بأكثر من عشر سنوات ، وكان مع ذلك يجلّ الحسن ، ويعرف له فضله .
روى رجاء بن ربيعة قال : كنت جالسا بالمدينة في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم في حلقة فيها أبو سعيد ، وعبد اللّه بن عمرو ، فمرّ الحسن بن علي ، فسلّم فرد عليه القوم ، وسكت عبد اللّه بن عمرو ، ثم اتبعه ، فقال : وعليك السلام ورحمة اللّه ، ثم قال : هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء ، واللّه ما كلمته منذ ليالي صفين .
فقال أبو سعيد ، ألا تنطلق إليه فتعتذر إليه ، قال : نعم . فقام : فدخل أبو سعيد فاستأذن فأذن له ، ثم استأذن لعبد اللّه بن عمرو ، فدخل ، فقال أبو سعيد لعبد اللّه بن
هامش
( 1 ) - يصغو : يتأذى من شدة العطش .
( 2 ) - ( مختصر تاريخ دمشق ) لابن عساكر 7 / 16 ، 17 .
( 3 ) - ( تهذيب الكمال ) للمزي 6 / 255 .