عبد اللّه وكانت تلك الدولة تمر وقتئذ في فوضى سياسية لا حدّ لها وتعيش في فتن واضطرابات قاسية نتيجة الصراع الداخلي الحاد بين أفراد البيت الرستمي واختلافهم فيما بينهم على منصب الإمامة وتكالبهم على الظفر بها فلم يتورعوا عن تدبير المكائد والمؤمرات من بعضهم البعض وراح بعضهم ضحية هذا الصراع .
أخذ أبو عبد اللّه يعد العدّة ويعبيء قواته ويهيؤها للزحف على تاهرت ، فعيّن أبا زاكي تمام بن معارك خليفة له على أفريقة وأقام معه أخاه أبا العباس محمد بن زكريا . ولما فرغ من ذلك كتب كتابا جعله نسخا وبعث كل نسخة منه إلى كل منبر بأفريقية فقرئت عليه ومما جاء فيه :
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
: وبه عوني وعليه توكلي ، أما بعد فإن اللّه وله الحمد قد شرّف منزلة العدل وأعلى قدره وأسنى ذكره واختاره لنفسه ورضيّه ، وصيّره ذريعة إلى الهدى ، وسببا إلى التقوى وأقامه ميزانا بين خلقه وجعل به صلاحا لكل شيء ونظامه وقوامه وتمامه ، فكان من عدله أنه أوجب الثواب لمن أطاعه والعقاب لمن عصاه ، ولم يوجب للمسيء ثواب المحسن ولا للمحسن عقاب المسئ ، بل جازى كل ساع على قدر سعيه وأعطى كل عامل أجر عمله ، عدلا منه كما قال جل ثناؤه في محكم كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه « وإن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يرى ثم يجزيه الجزاء الأوفى » . وأوجب إظهار منهاج الحق وإبطال سنن الجور والغشم على من مكّنه اللّه في بلاده وعباده ومنحه ما منحني من النصرة والتأييد والعز والتمكين على أعدائه وأعداء رسوله صلى اللّه عليه وعلى آله حتى انقادت إليّ الأمور بأزمّتها وسلسلت أعنّتها ، وإنّ أولى الناس بنصرة الحق والذبّ عنه من فهّمه اللّه ما فهّمني
الشيعة في شمال افريقيا — صفحة 327
مساهمون: جاسم عثمان مرغي
ص٣٢٧