قبل ذلك كان محتسبا في البصرة ، والحسبة كما هو معروف منصب ديني أخلاقي أساسه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ملحق بالقضاء لأن فيه حكما يتعلق بمصالح المسلمين الاجتماعية والاقتصادية كمراقبة الأسواق والكشف عن صحة الموازين والمكاييل ومنع الناس من شرب الخمور ويقوم على منع الغش في الصناعة والمعاملات . وكان المحتسب يسير بنفسه في الأسواق ومعه أعوانه من الخبراء في شؤون الأسواق يعرفون بالعرفاء يحملون الموازين والأكيال الصحيحة . معنى ذلك أنه كان بالغا ناضجا عارفا بأمور الدين والدنيا معا وإلّا لما أسند إليه المنصب الكبير .
ثم تحدثنا المصادر بأنه كان معلما وكان وهو في الكوفة يتولى تعليم ونشر مبادئ المذهب الشيعي الإثنا عشري « 1 » . كما كان متضلعا في الفقه الشيعي وغير الشيعي أيضا . وهذا دليل آخر يضاف إل سابقه ليؤكدا معا أن أبا عبد اللّه كان قبل ذهابه إلى اليمن يزاول أعمالا تدل على بلوغ ونضج وثقافة وعلم وكان ذا نفس تواقة إلى محاربة الجهل والفوضى والغش والفساد في جميع الميادين .
عصره
كان العصر الذي شهد طفولة أبي عبد اللّه الشيعي عصر اضطراب وفتن وفوضى لا حدود لها في طول البلاد وعرضها .
فعلى الصعيد العام : كانت الخلافة العباسية تجتاز أدق المراحل وأخطرها .
فقد تعاظم نفوذ الموالي والأتراك فيه وقوي أمرهم وتولوا المراكز العالية في
هامش
( 1 ) . المقريزي ، تقي الدّين أحمد بن علي : أتّعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميّين الخلفا ، تحقيق محمّد عبد القادر أحمد عطا ، الجزء الأوّل ، ص 137 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1422 ه - 2001 م .