تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوحي ودلالته في القرآن الكريم والفكر الاسلامى — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
ومما يلاحظ على فلسفة ابن رشد في الوحي حضور اللغة القرآنية ( المفهوم القرآني ) الظاهر ، والقرب من التفسير الإسلامي العام للوحي استعانة بمدلول الآية من سورة الشورى وهذا ما يتسق مع حاولته التوفيق بين الفلسفة والدين وقد طغت على فلسفته عموما . ونجد عند ابن خلدون ملامح فهم متميز للوحي يفترق في بعض جوانبه عن اتجاهات أقطاب الفلسفة الإسلامية الآخرين ، ويصف الشيخ مصطفى عبد الرزاق مذهب ابن خلدون هذا في الوحي بأن فيه من الطرافة والجدة ما يجعله مذهبا جديدا استفاد منه جمعه بين الاتجاه الفلسفي والصوفي وتأثره بالمذهبين « 1 » . يتخذ ابن خلدون النبوة مدخلا إلى فهم الوحي ، ذلك أنه تعالى خصّ الأنبياء عليهم السلام ( أن اصطفاهم تعالى وفضّلهم بخطابه وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينه وبين عباده . . . ) « 2 » . فاصطفاؤهم من بين سائر البشر إنما هو تمهيد لاختصاصهم بأمور لا سبيل إلى معرفتها إلا بوساطتهم ، ولا يعلمونها إلا بتعليم اللَّه لهم ، فيكون من ضمن ما يلقى إليهم المعارف وما يظهر على ألسنتهم من الخوارق والأخبار : الكائنات المغيبة ويقصد بها الملائكة . وطريق الوحي بين هؤلاء الملائكة والنبي يستفيده من خلال ما يرافق الوحي من علائم تشبه الإغماء والغشي ، وهذه الحالة يفسرها ابن خلدون - كما مر سابقا - بالاستغراق في لقاء الملك الروحاني . والقوة التي تهيّئ للنبي مثل هذا اللقاء بالملك هي إدراكه المناسب لهذا الملك ، وهو الإدراك ( الخارج عن مدارك البشر بالكلية ، فإذا فرغ من ذلك [ الإلقاء ] تنزّل مرة أخرى إلى المدارك البشرية ) « 2 » . وهذا الانسلاخ عن البشرية والذي تخف آثاره ويخرج من النبي مع تكرار حالات الوحي يبلغ به النبي أعلى المراتب الروحانية ، ذلك أن الملكية المحضة التي ينسلخ إليها هي أعلى الروحانيات « 2 » .
هامش
( 1 ) الدين والوحي والإسلام ( ص 77 ) . ( 2 ) المقدمة ( ص 67 وص 73 ) .
الوحي ودلالته في القرآن الكريم والفكر الاسلامى — صفحة 253 | ستار جبر حمود الأعرجي