وابن خلدون يحدد هنا معالم اللقاء بين الملك الموحي والنبي وتشير هذه المعالم إلى أن إدراك النبي للملك ولقاءه معه يكون بإدراك مناسب للطافة عالم الملك ، وهو إدراك خارج مستوى إدراك بشرية النبي فيستلزم انسلاخه منها ليتم اللقاء .
إلا أنه مع هذا الانسلاخ فإنه يتبقى للنبي شيء من الارتباط مع مداركه البشرية تتبيّن وتتمثل من خلال نتيجة اللقاء وثمرته وهي الوحي بأمور واقعة ضمن الإدراك البشري العادي للنبي ، حيث تنزّل من ذلك الإدراك العالي المناسب للطافة الملك الروحاني إلى الإدراك البشري بصورتين « 1 » :
1 - إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه .
2 - أو يتمثل له ( الملك ) بصورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند اللَّه .
وبانجلاء هذا الاستغراق وتمام عملية الوحي يجد النبي نفسه وقد وعى من هاتين الصورتين ما أريد أن يوحى إليه ويفهمه .
وحالة الانسلاخ عن البشرية الكائنة لصنف الأنبياء كما يرى ابن خلدون هي فطرة فطروا عليها ولكنها ليست حالة دائمة مستمرة مدة حياتهم وإنما تقع أثناء ورود الوحي ، فلا تكون إلا في تلك اللمحة التي هي اللقاء مع الملك وهي حالة الوحي .
وهذه الحالة بجميع عناصرها من انسلاخ للنبي عن بشريته وتلقيه الوحي ورجوعه إلى مداركه البشرية لإدراك ما أريد بالوحي ووعيه لا تدوم إلا مدة هذه ( اللمحة ) كما عبّر عنها ابن خلدون إذ أن الأمر كله ( كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر لأنه ليس في زمان ، بل كلها تقع جميعا فيظهر كأنها سريعة ولذلك سمّيت وحيا ) « 1 » .
فهذه الأمور الواقعة في لمحة الوحي الخاطفة لا تمرّ في مدارك النبي على مراحل متسلسلة ، بل إنها جميعا كأنها صورة واحدة بكامل ما فيها انتزعت تفاصيلها من الملك وطبعت في نفس النبي . ولا شك أن هذا الرأي لابن خلدون يقدم فهما متميزا وعاليا لعنصر السرعة في الإلقاء الذي يتّسم به الوحي والذي يتسق مع أهم
هامش
( 1 ) المقدمة ( ص 67 ، وص 71 ) .