ويلاحظ هنا ما يتسق مع الآية الأولى في وصف الملك ( بالأمين ) .
4 - الروح القدس : قال تعالى :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ النحل : 102 ] . ووصفه بالقدس فيما قيل للتشريف لأن القدس هو اللَّه تعالى ، قال الحسن : القدس هو اللَّه تعالى ، وروحه جبريل عليه السلام « 1 » .
وقيل : إن القدس هنا يقصد به الطهارة والنزاهة ، فالمقصود بوصفه بالروح القدس أنه روح طاهرة عن قذارات المادة ، نزيهة عن الخطأ والغلط والضلال « 2 » .
ومما يلاحظ أيضا في القرآن الكريم أنه في حالة الوحي يرد ذكر الروح بمصداقين هما :
الأول : وصف الملك الذي يلقي الوحي إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بذلك ، ودل عليه ما سبق من وصفه بالروح الأمين والروح القدس ، وفي هذا الوصف بالروح عدة آراء : فإما أنه تحيا به الأرواح بما ينزل من البركات ، أو لأن جسمه روحاني ، أو أن الحياة أغلب عليه فكأنه روح كله ، أو أنه يحيا به الدين « 3 » .
الثاني : وصف ما نزل به على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وألقاه عليه : بالروح ، قال تعالى :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ . .
[ النحل : 2 ] . وقال تعالى :
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ
[ المؤمن : 15 ] . وقد اختلف في الروح بهذا المعنى الوارد في الآيتين وفي غيرهما ، فمن المفسرين من يرى أن الروح المراد هنا الوحي كابن عباس وقتادة « 4 » .
وبذلك أيضا قال من تأخر عنهما كالشريف الرضي والزمخشري والفخر الرازي وغيرهم « 5 » ، وذهب مجاهد إلى أن المراد النبوة « 6 » . ونقل الطوسي هذا الرأي عن بعض المفسرين « 7 » .
هامش
( 1 ) الفخر الرازي : مفاتيح الغيب ( 6 / 289 ) .
( 2 ) الميزان ( 12 / 346 ) .
( 3 ) التبيان ( 8 / 62 ) ، ومجمع البيان ( 4 / 204 ) .
( 4 ) الطبري : جامع البيان ( 14 / 54 ) .
( 5 ) انظر على التوالي : تلخيص البيان في مجازات القرآن ( ص 105 ، وص 110 ) ، والكشاف ( 2 / 400 ) ، ومفاتيح الغيب ( 19 / 224 ) .
( 6 ) انظر الطبري : جامع البيان ( 14 / 54 ) .
( 7 ) انظر التبيان ( 9 / 62 ) .