بحيث لا ينساه ، وهو يستدل بكونه نازلا بالعربية - كما أشارت إليه الآيات - على إرادة هذا المعنى ، فتنزيله بالعربية دليل تنزيله على قلبه بهذا المعنى ( لأنك تفهمه وتفهّمه قومك ، ولو كان أعجميا لكان نازلا على سمعك ) « 1 » .
وأكد الطبرسي هذا المعنى بذهابه إلى أن استعمال القلب هنا تم على سبيل التوسع والبلاغة ، فالمراد بالنزول على القلب عنده : ( إن اللَّه تعالى يسمعه جبريل عليه السلام فيحفظه ، وينزل به على الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم ويقرأه عليه فيعيه ويحفظه بقلبه فكأنه نزل به على قلبه ) « 2 » .
وهذا ما فهمه مفسرون آخرون ، فالمراد بالقلب هو القلب الحقيقي من حيث أنه جعله وعاء للوحي فإن اللَّه تعالى ( لقنه حتى تلقنه ، وثبته على قلبه ) « 2 » .
ومن المفسرين من ربط بين القلب بهذا المعنى وكونه المرتبة الأدنى بعد الروح في عملية التلقي ، فاستعمال القلب في الآيات يراد به التنزل عليه من حيث هو موضع تتنزل عليه المعاني الروحية التي تنتقل إليه بعد تنزلها على الروح لما بينهما من تعلق « 4 » .
ويبدو أن هذه الآراء ضمن هذا المعنى تستجمع ما ذهب إليه الباقلاني ( ت 403 ه / 1012 م ) - السابق على هؤلاء جميعا - إذ يصور عملية النزول على القلب المعبر عنها في الآيات بأن المراد بها نزول إعلام وإفهام ، لا نزول حركة وانتقال « 5 » .
الثاني : ما يراه مفسرون آخرون أن استخدام القلب هنا لا يراد به هذا العضو الجسماني ، وإنما يمثل إدراكات النبي النفسية المتلقية للوحي ، فهؤلاء يستبعدون أي دور للحواس الظاهرة في عملية تلقي النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم للوحي عن الملك ، واستدلوا بأنه تعالى قال :
عَلى قَلْبِكَ
ولم يقل ( عليك ) ، وإن ذلك عندهم دليل أن المتلقي الحقيقي من النبي للوحي هو ( نفسه الشريفة من غير مشاركة الحواس الظاهرة التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأمور الجزئية ) « 6 » .
هامش
( 1 ) الزمخشري : الكشاف ( 3 / 127 ) .
( 2 ) مجمع البيان ( 4 / 204 ) .
( 4 ) الطباطبائي : الميزان ( 15 / 317 ) .
( 5 ) الإنصاف ( ص 96 ) .
( 6 ) انظر الميزان ( 15 / 306 ) .