تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
المثال ، وذلك على غرار الاستعارة وكيفية دلالتها على المعنى الأصلي المقصود . ولا ريب أن سوق المثال بهذا الأسلوب يأتي أبلغ وألصق بالمعنى المراد ، إذا لم يكن في سياق الكلام ما يدعو إلى التصريح به . فمن هذا القبيل قوله عزّ وجلّ :
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ ، هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
« 1 » فقد ضرب اللّه مثال البحرين للمؤمن والكافر ، والحديث عن المؤمن والكافر مطوي في تضاعيف المثال ، يدلّ عليه السياق . ومنه أيضا قوله عزّ وجلّ :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا
« 2 » فهو مثال للفرق بين من لم يتخذ مع اللّه شريكا فهو لا يبغي الخير ولا يتقي الضرّ إلّا من قبله ، ومن ثم فهو لا يسعى لإرضاء غيره ، ومن اتخذ مع اللّه شركاء له فقلبه أوزاع بينهم ، وهم فيما بينهم متشاكسون متنافسون على مكاسب الألوهية ومقتضياتها ، فهو لا يدري بأيّهم يربط قلبه ولأيّهم يعطي ولاءه ! . . . ولكن هذا المعنى المقصود مطوي في المثال الذي ضربه اللّه تعالى ، وهو مثال رجلين أحدهما يتعلق به شركاء متشاكسون متنافسون كلّ يدّعي انفراده بالسلطان الكامل عليه ، والآخر موصول الولاء بشخص واحد فهو سلّم له ومسؤول تجاهه . ومنه أيضا قوله عزّ وجلّ :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
( الأعراف : 58 ) . وإنما هو مثال للقلوب ، فقلب سليم يقبل الموعظة والذكرى ، وقلب فاسق قاس ينبو عن ذلك . هذه أبرز خصائص الأمثال في كتاب اللّه تعالى . ولنعرض الآن نماذج مختلفة لهذه الأمثلة ، نتلمس من خلالها القيمة
هامش
( 1 ) فاطر : 13 . ( 2 ) الزمر : 29 .