تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
يهمنا في هذا الصدد أن نتلمس أبرز الخصائص التي تظهر في أمثلة القرآن ، وعلاقة ذلك ببلاغته وإعجازه . ونستطيع أن نوجز هذه الخصائص في الأمور التالية : أولا - تعتبر أمثلة القرآن على اختلافها ، لوحات فنية رائعة لتصوير مشاهد الطبيعة بأشكالها وأنواعها المختلفة ، وفي هذه اللوحات مشاهد ألفتها العرب وعرفتها في حياتها النوعية الخاصة ، وفيها ما لم تعرفه ولا رأته ولا سمعت به مما قد يعرفه بعض الأمم والشعوب الأخرى . فالقرآن إذ يضرب الأمثلة بهذه المشاهد المنتزعة من مظاهر الكون وصوره ، يؤلّف بين القيم والمبادئ المجردة التي تنزل من أجلها ، والمشاهد الطبيعية التي يعيش الإنسان في أكنافها ؛ وفي ذلك من إبراز وحدة الحقائق الكونية وترابطها الكلي ببعضها ما يطول شرحه ويعظم خطره ، وليس لنا في هذه العجالة سبيل إلى بسط القول في ذلك . ثانيا - تأخذ الأمثلة في أغلب الأحيان طابع القصة في عرض الجزئيات وتفصيل صفاتها ، وذلك على خلاف المألوف عند العرب من تكثيف المثال وعرضه في أقل قدر ممكن من الكلمات . فالعرب قد يضربون المثل للشيء الخادع بالسراب ، دون تعريج على أيّ تفصيل في المثال أو بسط لصورته ، ولكن القرآن عندما يضرب به المثل يبسط منه صورة حيّة يتراءى فيها كيف ينخدع الظمآن به ، ثم يسعى وراءه ، حتى إذا جاءه فوجئ بأنه ليس شيئا ، ووجد بدلا عنه ثمرة انخداعه من الجهد الضائع والانقطاع عن الرفقة والطريق :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ، حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
( النور : 39 ) . ثالثا - كثيرا ما تأتي أمثلة القرآن كلاما كاملا مستقلا بذاته ، أي دون ذكر للمعنى الممثل له على غرار ما هو معروف في مألوف اللغة العربية وأسلوبها . وإنما يكون المعنى الممثّل له في هذه الحال مطويا ، يشار إليه في تضاعيف المثال ذاته ، بحيث لا يجهل السامع أو القارئ المعنى الكلي الذي سيق له