تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
ولم يجده شيئا . ويمزج البيان الإلهي في آخر هذا التمثيل بين المشبّه والمشبه به ، أو قل إنه يؤلف بينهما في الربط بنهاية واحدة ، وذلك عندما يقول : ووجد اللّه عنده فوفّاه حسابه . فقد كان الحديث إلى ما قبل هذه الجملة عن ظمئان اغترّ بسراب ، وفي نهاية المثل اتضح أن الظمآن لم يكن غير هذا الكافر الذي اغترّ بظاهر أعماله الإنسانية ، وراح ينتظر ثمراتها وآثارها الخيّرة ، حتى إذا جاء يوم الحساب وحانت ساعة القطاف ، راعه أنه لم يجد لأعماله الصالحة أثرا ، بل وجد بدلا منها إله الذي لم يكن يتوقع أن يراه ، ووفّاه حسابه على الحقائق التي كان يبطنها في قلبه لا على المظهر الزائف الذي كان يتجلى به بين قومه وأصحابه . أما المثال الثاني فهو بحر هائل بعيد الغور تكاثفت فوقه ظلمات متراكمة تألفت من ظلمة البحر ذاته وظلمة أمواجه العاتية وظلمة السحب الداكنة من فوقه ؛ فهي ظلمات ثلاث تراكمت بعضها فوق بعضها إلى أن غشيت جو السماء وكاد الرجل أن يضلّ فيها حتى عن ذاته . وإنما الظلام في المعنى الممثّل له ظلام الكفر باللّه عزّ وجلّ ؛ وإنما القصد أن الكفر إذا حاق بالقلب اصطبغت الأعمال كلها بلونه وتأثرت بظلامه ولم يعد في شيء منها بصيص ضياء ، فهي لا تزيد صاحبها إلا ضلالا ولا تكسبه إلا مزيدا من الغواية والخذلان ! . . . والمثل - كما تعلم - لا يعرفه إلا من يعبر المحيطات من البحارة وأمثالهم ، فهناك يتكاثف مثل هذا الظلام تبعا لحالات وظروف معينة فهو شيء لا يعرفه سكان الجزيرة العربية ولا ما حولها . فالتمثيل به ينطوي على دليل من أهم أدلة الإعجاز ، ويؤكد ما ينبغي أن يعلمه كل مسلم من أن هذا الكتاب إنما هو كلام اللّه عزّ وجلّ ، لم يتدخل في صياغة شيء منه أي بشر من الناس كائنا من كان . 3 - قال اللّه تعالى :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها ، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ