تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
12 - وربما اقتضى المشهد في بعض الأحيان أن تمثل الصورة أمام الخيال شاخصة صامتة لا حراك فيها ، وذلك كما في قوله تعالى :
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ
« 1 » والمعنى المقصود لفت النظر إلى الأمم التي جاءت ومضت وتركت آثارها من ورائها . ولكنه أقام من هذه اللوحة التصويرية في الآية تعبيرا مجسما له . وهي صورة صامتة شاخصة ، تبصر فيها بيوتا خالية قد سقط بعضها على بعض . . . وتبصر في جانب منها بئرا متروكة معطلة ، وقصرا لا تزال فيه جدران باقية قائمة . . . ولا واللّه ، ما تلوت هذه الآية مرة إلا ورأيتني أمام لوحة فنية رائعة صوّرتها كلمات هذه الآية في رسم معبّر نادر ، يجلله صمت رهيب ، تلوح عليه آثار القرون والسنين ! ! . . . وبعد ، فهذه أمثلة قليلة ، قس كلام القرآن كله عليها . ولن نستطيع أن نفيض في بيان الأمثلة والنماذج ؛ فقد التزمنا في هذا الكتاب القصد في البحث ، كي يتسع المجال لعرض المسائل والبحوث الأخرى ، ولو أردنا أن نستقصي الكلام في تصوير القرآن ومقوّماته ومظاهره ، لجفّ المداد ونفد الورق دون أن نوفي البحث حقه :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
. فإن كنت قد ألقيت السمع إلى ما قلنا وأنت شهيد بعقلك الصافي المتحرر ، وقفت على الحق في كل الذي ذكرنا ، وأدركت أن نظيره مثله مما لم نقل ، وأيقنت أن هذه المعجزة التي تصورت كلاما يتلى ليست مما يصوغه بشر ، ولا ينبغي أن تكون مادة كذب كذب بها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على اللّه ، بعد أن عاش أربعين عاما يتوقّى الكذب فيها على الناس .
هامش
( 1 ) الحج : 45 .
من روايع القرآن — صفحة 179 | محمد سعيد رمضان البوطي