تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
الذي حمله إليه القوم مبشرين - أي متهكمين ومشفقين - بقوله :
يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ
، ثم صوّر الحيرة التي تراوده ويطوف بخاطره بقوله :
أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ
. وردّد النظر والفكر في هذه الكلمة : يدسّه ، لتبصر كيف أنها تشفّ عن الغيظ والعصبية والشدة وقد تلبست بها حالة الرجل وأعضاؤه ، وكيف تصور لك الدفع المغتاظ للرحمة في مظهرها الضعيف المتألم المسالم ! . . 7 - أخبر اللّه الناس أنه ما من خبر من الغيبيات التي أخبر اللّه بها إلا وسيأتي يوم يتضح فيه صدقه ووقوعه كما أخبر به . فانظر إلى التعبير القرآني عن ذلك :
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
« 1 » ، وأنا فما أذكر أنني قرأت هذه الآية مرة إلا وتخيلت أن في جو السماء شبحا يسبح في أنحائه لا يدري الناس ما هو ، والكل رافع رأسه محدق بنظره يتأمله وكلّ منهم يتوهمه حسبما يخيل إليه ؛ والجميع ينتظرون ساعة هبوطه واستقراره في الأرض ليعلموا حقيقته وليتخلصوا من أوهامهم وتخيلاتهم فيه . إن اللّه عزّ وجلّ يصوّر الإخبار عن قيام الساعة وما يلوذ بها من الغيبيات ، بصورة هذا الشيء الذي ظاف حوله لغو كثير من القول ، وأبى كثير من الناس أن يؤمنوا بحقيقته تبعا لما جاء من كلاب رب العالمين ، ليقول لهم إن لهذا الشيء مكانا وزمانا يستقر فيهما عيانا أمام أبصاركم ، ولسوف تعلمون حينئذ ، دون أن يفيدكم العلم . وتصوّر مثل هذا التصوير كلمة
مُرْساها
في قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ . . .
« 2 » فالساعة في تعبير الآية كالسفينة محجوبة عن الأعيان في غمار بحر عظيم متلاطم ، والمنكرون يستعجلون في طلب إرسائها عند الشاطئ ليشاهدوا حقيقتها بأعينهم . 8 - بيّن اللّه عزّ وجلّ أن الأموات سوف يبعثون من قبورهم وتعود إليهم الحياة
هامش
( 1 ) الأنعام : 67 . ( 2 ) الأعراف : 187 .