تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
ليواجهوا جزاءهم ، وأن ذلك يسير على اللّه عزّ وجلّ ، فجاء التعبير القرآني عن ذلك بهذا الشكل :
يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ، ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ
« 1 » . ولا ريب أنك إذا قرأت هذه الآية تصورت أمامك أرضا واسعة المدى تتشقق عن أشخاص هنا وهناك يخرجون منها ليسرعوا إلى حيث لا يدرون . أجل ، فالآية تترك في ذهن القارئ هذه الصورة الحيّة المتحركة ، ليتصور الأمر البعيد واقعا يشاهده أمام عينيه في بساطة ويسر . 9 - قرّر اللّه عزّ وجلّ أن من سنّته في الكون أن يعرض الأمم للمصائب والمحن ، فإن لم يتنبهوا بذلك للخضوع والتوبة والتضرّع إلى اللّه ، غمسهم اللّه تعالى في أصناف الملذات ، حتى إذا فرحوا بذلك واستغرقوا في لهوهم وانشغالهم عن اللّه أهلكهم اللّه على حين غرّة ، فقال في ذلك :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
« 2 » . فانظر إلى قوله :
فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
لكأن أسباب النعيم والترف واللذائذ ممتلئة في مخازن من وراء أبواب ، فما هو إلا أن فتحت هذه الأبواب حتى اندلقت عليهم من كل جانب ومن كل نوع . . ثم تأمل في قوله :
فَأَخَذْناهُمْ
وأي تصوير لضئلة شأنهم ونسيانهم أنفسهم أبلغ وأروع من هذه الكلمة : أخذناهم . ثم انظر كيف يتقارب الزمن الطويل متحركا متنقلا من مشهد إلى آخر في هذه الآية ، وذلك بوحي وتصوير تتابع هذه الأحرف والكلمات :
فَلَمَّا . . .
حَتَّى إِذا . . .
بَغْتَةً . . .
فَإِذا هُمْ . . .
مشهد من وراء آخر ، ومرحلة تلي ما قبلها ، قد تكون الفترة بينهما طويلة ، ولكن التعبير القرآني يقارب ما بين هذه المراحل في بضع كلمات ، ويصوّرها في ذهن القارئ ، وكأنها تاريخ سريع يمرّ من أمامه .
هامش
( 1 ) ق : 44 . ( 2 ) الأنعام : 44 .