وهذه هي نظرية الإمكان والفقر الوجودي للفيلسوف الإسلامي الكبير صدر الدين الشيرازي ، حيث أثبت من خلال تحليل مبدأ العلّية أن حقيقة الأشياء الخارجية هي عين التعلّق والارتباط ، لا أنها متّصفة بالفقر والحاجة « 1 » .
« ولعلّ جملة من الآيات القرآنية تثبت هذه الحقيقة ؛ قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ( فاطر : 15 ) فقصر الفقر فيهم وقصر الغنى فيه سبحانه ، فكلّ الفقر فيهم وكلّ الغنى فيه سبحانه ، وإذا كان الغنى والفقر وهما الوجدان والفقدان متقابلين لا يرتفعان عن موضوعهما ، كان لازم القصر السابق قصر آخر وهو قصرهم
في الفقر وقصره تعالى في الغنى ، فليس لهم إلا الفقر وليس له تعالى إلا الغنى . فالله سبحانه غنىّ بالذات له أن يذهبهم ويستغنى عنهم ، وهم فقراء بالذات ليس لهم أن يستغنوا عنه بغيره » « 2 » .
وهذه هي نظرية مدرسة أهل البيت عليهم السلام في الفواعل الطبيعية ، حيث آمنت أن هناك طولية في الفاعلية ، ولعلّ هذا ما يقتضيه الجمع بين الآيات ، فالله سبحانه أوجد بعض الأفعال مباشرة وبلا واسطة ، وبعضاً أوجدها مع الواسطة ، بالمعنى الذي يفيد أن لهذه الواسطة أثراً في إيجاد الفعل لكن بإقدار الله ، وهذا الإقدار لا يستقلّ بالأثر بل هو محتاج إليه سبحانه حدوثاً وبقاءً . فالله جلّ جلاله لا يمنح القدرة للسبب الطبيعي ثم ينعزل ، بل تتّسم العلاقة بالدوام ، لأن ذلك السبب قائم به حدوثاً وبقاءً ككلّ شئ في نظام عالم الوجود الإمكانى ، وهذا معنى أنه تعالى « حىّ قيّوم » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 3 ص 253 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 17 ص 33 .