العزيز الحكيم ، فبعزّته يقوم على كلّ شئ ، وبحكمته يعدل فيه .
والحاصل : لمّا كان تعالى هو المبدأ الذي يبتدئ منه وجود كلّ شئ وأوصافه وآثاره ، ولا مبدأ سواه إلا وهو ينتهى إليه ، فهو القائم على كلّ شئ من كلّ جهة بحقيقة القيام الذي لا يشوبه فتور وخلل ، وليس ذلك لغيره قطّ إلّا بإذنه بوجه ، فليس له تعالى إلا القيام من غير ضعف وفتور ، وليس لغيره إلا أن يقوم به .
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ مقرِّرة لمضمون جملة الْحَىُّ الْقَيُّومُ ولرفع احتمال المبالغة فيها . فالجملة منزّلة منزلة البيان لمعنى الْحَىُّ الْقَيُّومُ ولذلك فُصلت عن التي قبلها . والسنة ( فعْلة ) من الوسن وهو أوّل النوم ،
والنوم هو الركود الذي يأخذ حواسّ الحيوان ؛ لعوامل طبيعية تحدث في بدنه . ونفى استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير ، وإثبات لكمال العلم ، فإن السنة والنوم يشبهان الموت ، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس .
وتقديم السِنة على النوم مع أنه خلاف الترتيب الذي تقتضيه البلاغة لأن المقام مقام الترقىّ ، والترقّى في الإثبات إنما هو من الأضعف إلى الأقوى كقولنا : فلان يقدر على حمل عشرة أمنان بل عشرين منّاً ، وفى النفي بالعكس كما نقول : لا يقدر فلان على حمل عشرين بل ولا عشرة ، فكان ينبغي أن يقال : لا تأخذه نوم ولا سنة فهو لبيان هذه النكتة وهى : لما كان أخذ النوم أقوى تأثيراً وأضرّ على القيّومية من السِنة ، كان مقتضى ذلك أن ينفى تأثير السنة وأخْذها أوّلًا ، ثم يترقّى إلى نفى تأثير ما هو أقوى منها تأثيراً ، ويعود معنى لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ إلى مثل قولنا : لا يؤثّر فيه هذا العامل الضعيف بالفتور في أمره ولا ما هو أقوى منه .
المعاد روية قرآنية — صفحة 95
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٩٥