تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد روية قرآنية — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
في ضوء هذه الحقيقة استعمل القرآن الشفاعة في مورد التكوين ، وأراد بها توسّط العلل والأسباب بينه تعالى وبين مسبّباتها في تدبير أمرها وتنظيم وجودها وبقائها . فكلّ سبب من الأسباب يشفع عند الله لمسبّبه بالتمسّك بصفات فضله وجوده لإيصال نعمة الوجود إلى مسبّبه ، فنظام السببية بعينه ينطبق على نظام الشفاعة .

الآيات الدالّة على الشفاعة التكوينية

الآية الأولى : اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . . . ( البقرة : 255 ) . ولكي تتّضح دلالة الآية ؛ هل الشفاعة الواردة فيها هي التكوينية فقط أم الأعمّ من التكوينية والتشريعية ، لابدّ من الوقوف على بعض المقاطع التي سبقت قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . الْقَيُّومُ فيعول من ( قام ، يقوم ) وهو وزن مبالغة ، وأصله قيْوُوم ، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءً وادغمتا ، وهو وصف يدلّ على المبالغة ، والقيام حفظ الشئ وفعله وتدبيره وتربيته والمراقبة عليه والقدرة عليه ، كلّ ذلك مأخوذ من القيام بمعنى الانتصاب ؛ للملازمة العادية بين الانتصاب وبين كلّ منها ، وقد أثبت الله تعالى أصل القيام بأمور خلقه لنفسه في كلامه حيث قال : أَ فَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ( الرعد : 33 ) . وقال تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( آل عمران : 18 ) فأفاد أنه قائم على الموجودات بالعدل فلا يعطى ولا يمنع شيئاً في الوجود وليس الوجود إلا الإعطاء والمنع إلا بالعدل ، بإعطاء كلّ شئ ما يستحقّه ، ثم بيّن أن هذا القيام بالعدل مقتضى اسميه الكريمين :