تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد روية قرآنية — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
ومن قال إن العمل نفس الجزاء قال : إن الهيئات النفسانية اشتدّت وصارت ملكة تصير متمثّلة ومتصوّرة في عالم الباطن والملكوت بصورة يناسبها ، إذ كلّ شئ يظهر في كلّ عالم بصورة خاصّة ، فإن العلم في عالم اليقظة أمر عَرَضى يدرك بالعقل أو الوهم ، وفى عالم النوم يظهر بصورة اللبن ، فالظاهر في العالمين شئ واحد وهو العلم لكنه تجلّى في كلّ عالم بصورة ، والسرور يظهر في عالم النوم بصورة البكاء . ومنه يظهر أنه قد يسرّك في عالم ما يسوءك في عالم آخر ، فاللذّات الجسمانية التي تسرّك في هذا العالم تظهر في دار الجزاء بصورة تسوءك وتؤذيك ، وتركها وتحمّل مشاقّ العبادات والطاعات والصبر على المصائب والبليّات يسرّك في عالم الآخرة مع كونها مؤذية في هذا العالم . ثم القائل بهذا المذهب قد يطلق على هذه الصورة اسم الملَك إن كانت من فضائل الأخلاق أو فواضل الأعمال ، واسم الشيطان إن كانت من أضدادها ، وقد يطلق على الأولى اسم الغلمان والحور وأمثالهما وعلى الثانية اسم الحيّات والعقارب وأشباههما ، ولا فرق بين الإطلاقين في المعنى وإنما الاختلاف في الاسم . وهذا المذهب يرجع إلى القول بتجسّد الأعمال وتجسّمها بصورة مأنوسة مفرّحة أو صورة موحشة معذّبة ، وقد وردت آيات وروايات كثيرة في ذلك . فمن الآيات : قوله تعالى : لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( التحريم : 7 ) . وقوله : ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ( البقرة : 281 ) حيث قال عزّ وجلّ : مَا كُنْتُمْ ومَا كَسَبَتْ ولم يقل بما كنتم ، وهذا معناه : إنّ ما تجزونه هو نفس ما كنتم تعملون ، أي أن العذاب الذي تعذّبون به هو نفس عملكم السيّئ الذي عملتموه وقد برز لكم اليوم حقيقته .