حيث إنها جعلت الأمّة شاهدة على الناس ، وقد عرفت أن الشهادة إنما هي بتحمّل حقائق أعمال الناس في الدنيا من سعادة أو شقاء وانقياد أو تمرّد ، وأداء ذلك في الآخرة يوم يستشهد الله من كلّ شئ كالملائكة والزمان والمكان والدين والكتاب والجوارح والحواس ونحوها .
ومن المعلوم أن هذه الكرامة ليست تنالها جميع الأمّة ؛ إذ ليست إلا كرامة خاصّة للأولياء الطاهرين منهم ، لذا قرن الله تعالى الشهداء بالأنبياء والصدّيقين في قوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( النساء : 69 ) . وأما من دونهم من المتوسّطين في السعادة والعدول من أهل الإيمان فليس لهم ذلك فضلًا عن الفراعنة والطواغيت من الأمّة .
وهذا ما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في هذه الآية حيث قال لأبى عمرو الزبيري :
« فإن ظننت أن الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين ، أفترى أن من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر ،
يطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية ؟ كلا لم يعن الله مثل هذا من خلقه ، يعنى الأمّة التي وجبت لها دعوة إبراهيم عليه السلام :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ( آل عمران : 110 )
وهم الأمّة الوسطى وهم خير أمّة أخرجت للناس »
« 1 » .
وعلى هذا يكون المراد بكون الأمّة شهيدة ، أن هذه الشهادة فيهم ، كما أن المراد بكون بني إسرائيل فُضّلوا على العالمين أن هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتّصف به كلّ واحد منهم ، بل نسب وصف البعض إلى الكلّ لكون البعض فيه ومنه ، فكون الأمّة شهيدة هو أن فيهم من يشهد على الناس .
هامش
( 1 ) تفسير العياشي ، مصدر سابق : ج 1 ص 161 ، الحديث : 219 .