« ومن الواضح أن هذه الحواس العادية التي فينا والقوى المتعلقة بها منّا ، لا تتحمّل إلا صور الأفعال والأعمال فقط ، وذلك التحمّل أيضاً إنما يكون في شئ يكون موجوداً حاضراً عند الحس لا معدوماً ولا غائباً عنه ، وأما حقائق الأعمال والمعاني النفسانية من الكفر والإيمان والفوز والخسران ، وبالجملة كلّ خفىّ عن الحسّ ومستبطن عند الإنسان وهى التي تكسب القلوب وعليه يدور حساب ربّ العالمين يوم تبلى السرائر كما قال تعالى : وَلكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ( البقرة : 225 ) فهي مما ليس في وسع الإنسان إحصاؤها والإحاطة بها وتشخيصها من الحاضرين ، فضلًا عن الغائبين إلا رجل يتولّى الله أمره ويكشف ذلك له بيده » « 1 » .
وعلى هذا فمن الواجب أن يكون هذا الشهيد ذا عصمة إلهية يمتنع عليه الكذب والجزاف ، وأن يكون عالماً بحقائق الأعمال التي يشهد عليها لا بظاهر صورها وهيئاتها المحسوسة ، بل بحقيقة ما انعقدت عليه في
القلوب ، وأن يستوى عنده الحاضر والغائب من الناس . « 2 »
وكيفما كان فقد ربط القرآن الشفاعة للشفعاء بكونهم ممن يشهدون بالحقّ ؛ قال تعالى : وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( الزخرف : 86 ) حيث أفادت أن الملاك في الشفاعة هي الشهادة ، فالشهداء هم الشفعاء المالكون للشفاعة .
فإذا ثبت أن النبىّ صلى الله عليه وآله هو الشهيد على الشهداء كما في قوله تعالى : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ص 320 .
( 2 ) عصمة الأنبياء في القرآن ، مصدر سابق : ص 178 .