قال الطباطبائي : « ومغفرته سبحانه وعدم مغفرته لا يقع شئ منهما وقوعاً جزافياً بل على وفق الحكمة وهو العزيز الحكيم ، فأما عدم مغفرته للشرك فإن الخلقة إنما تثبت على ما فيها من الرحمة على أساس العبودية والربوبيّة ؛ قال تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات : 56 ) ولا عبودية مع شرك ، وأما مغفرته لسائر المعاصي والذنوب التي دون الشرك فلشفاعة من جعل له الشفاعة من الأنبياء والأولياء والملائكة والأعمال الصالحة . وأما التوبة فالآية غير متعرّضة لشأنها من حيث خصوص مورد الآية ، لأن موردها عدم الإيمان ولا توبة معه ، على أن التوبة يغفر معها جميع الذنوب حتى الشرك . والمراد بالشرك في الآية ما يعمّ الكفر لا محالة ، فإن الكافر أيضاً لا يغفر له البتّة وإن لم يصدق عليه المشرك بعنوان التسمية ، ولعلّ ما ذكرناه هو النكتة ؛ لقوله : أَنْ يُشْرَكَ بِهِ دون أن يقول : المشرك أو المشركين .
وقوله لِمَنْ يَشَاءُ تقييد للكلام لدفع توهّم أنّ لأحد من الناس تأثيراً فيه تعالى يوجب به عليه المغفرة ، فيحكم عليه تعالى حاكم أو يقهره قاهر . على أن من الحكمة أن لا يغفر لكلّ مذنب ذنبه وإلا لغى الأمر والنهى وبطل التشريع وفسد أمر التربية الإلهية . ومن هنا يظهر أن كلّ واحد من المعاصي لابد أن لا يغفر بعض أفراده وإلا لغى النهى عنه ، وهذا لا ينافي عموم لسان آيات أسباب المغفرة ، فإن الكلام في الوقوع دون الوعد على وجه الإطلاق ، ومن المعاصي ما يصدر عمن لا يغفر له بشرك ونحوه .
فمعنى الآية أنه تعالى لا يغفر الشرك من كافر أو مشرك ويغفر سائر الذنوب دون الشرك بشفاعة شافع من عباده أو عمل صالح ، وليس هو تعالى مقهوراً أن يغفر كلّ ذنب من هذه الذنوب لكلّ مذنب بل له أن يغفر
المعاد روية قرآنية — صفحة 152
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٢