تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد روية قرآنية — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
من أن الشفيع إنما يحكّم بعض العوامل المربوطة بالمورد المؤثّرة في رفع العقاب مثلًا من صفات المشفوع عنده أو نحوها على العامل الآخر الذي هو سبب وجود الحكم وترتّب العقاب على مخالفته ، فلا يشمله الحكم الأول لعدم كونه من مصاديقه ، لا أن يشمله فيبطل حكمه بعد الشمول بالمضادّة . فحقيقة الشفاعة التوسّط في إيصال نفع أو دفع شرّ بنحو الحكومة دون المضادّة ، فهي من مصاديق السببية حيث يتوسّط السبب المتوسّط القريب بين السبب الأول البعيد ومسبَّبه . والآيات والروايات خير شاهد على صحّة ما ادعيناه من أن الشفاعة لا تختصّ بالذي ذكر في الاتجاه الأول ، وإنما تجرى لتشمل العصاة والمذنبين يوم القيامة أيضاً . فمن الآيات قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ( النساء : 48 ) فلو كان المراد هو المغفرة في ضوء الطاعة العملية من الإيمان والعمل الصالح لما صحّ استثناء الشرك في الآية ، لأن الشرك يغفر في هذا الإطار أيضاً لقوله : قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ( الزمر : 54 53 ) . وهذا معناه أن لله سبحانه مغفرة ورحمة خارجة عن إطار العمل والتوبة ، وأن رحمته الواسعة كما تصل إلى عباده عن طريق الإيمان والعمل الصالح ، تصل إليهم عن طريق آخر وهو كون العبد قابلًا للمغفرة والرحمة حافظاً لعلاقاته مع الله ومع الشفعاء وإن كان قاصراً في العمل .
المعاد روية قرآنية — صفحة 151 | السيد كمال الحيدري / خليل رزق