من أن الشفيع إنما يحكّم بعض العوامل المربوطة بالمورد المؤثّرة في رفع العقاب مثلًا من صفات المشفوع عنده أو نحوها على العامل الآخر الذي هو سبب وجود الحكم وترتّب العقاب على مخالفته ، فلا يشمله الحكم الأول لعدم كونه من مصاديقه ، لا أن يشمله فيبطل حكمه بعد الشمول بالمضادّة .
فحقيقة الشفاعة التوسّط في إيصال نفع أو دفع شرّ بنحو الحكومة دون المضادّة ، فهي من مصاديق السببية حيث يتوسّط السبب المتوسّط القريب بين السبب الأول البعيد ومسبَّبه .
والآيات والروايات خير شاهد على صحّة ما ادعيناه من أن الشفاعة لا تختصّ بالذي ذكر في الاتجاه الأول ، وإنما تجرى لتشمل العصاة والمذنبين يوم القيامة أيضاً .
فمن الآيات قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ( النساء : 48 ) فلو كان المراد هو المغفرة في ضوء الطاعة العملية من الإيمان والعمل الصالح لما صحّ استثناء الشرك في الآية ، لأن الشرك يغفر في هذا الإطار أيضاً لقوله : قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ( الزمر : 54 53 ) . وهذا معناه أن لله سبحانه مغفرة ورحمة خارجة عن إطار العمل والتوبة ، وأن رحمته الواسعة كما تصل إلى عباده عن طريق الإيمان والعمل الصالح ، تصل إليهم عن طريق آخر وهو كون العبد قابلًا للمغفرة والرحمة حافظاً لعلاقاته مع الله ومع الشفعاء وإن كان قاصراً في العمل .
المعاد روية قرآنية — صفحة 151
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥١