يتبيّن مما مرّ بأنّ أفعال الخلق والإحياء والإماتة والتوفّى والشفاعة وغير ذلك مما ينسبه القرآن الكريم إلى الله تعالى ويحصره به ، ثم يعود لنسبتها إلى مخلوقات أخرى ، إنما هو على نحو الصورة المرآتية ، فهذه المخلوقات حيث ينسب إليها الخلق فإنما يكون بما هي مظهر لخالقية الله جلّ جلاله وتجلّ لها وبما هي آية لخالقيته سبحانه ولولايته ولعزّته ولشفاعته ولقوّته ونحو ذلك . فكلّ ما تملكه هذه المخلوقات وتمام ما يوجد لديها إنما هو إراءة لما هو موجود لله سبحانه ، فالمالك والقادر هو الله ، وما عند الإنسان وبقيّة الموجودات فهو من عنده :
« فهو المالك لما ملّكك والقادر على ما عليه أقدرك »
. مما سلف ننتهى إلى واحدة من أهمّ الحقائق القرآنية والسنن الإلهية فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ( فاطر : 43 ) وهى أن الله جلّ جلاله ينجز الأفعال بنحوين :
إما مباشرة وبلا توسّط شئ ، أي من خلال قوله فقط : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( يس : 82 ) .
وإما بتوسيط بعض مخلوقاته . فالله سبحانه هو الشافي لكن من خلال الطبيب ، وهو الرافع للجوع والعطش لكن من خلال الطعام والماء ، وهكذا .
هذا هو دور الأسباب والوسائط في نظام عالم الإمكان ، والأسباب والوسائط تؤدّى دورها بإذن الله ، لكن لا على النحو الذي تكون فيه في عرْض إرادة الله أو في طولها ، بل على نحو الظهور والآية والتجلّى ، كذلك الحال في شفاعة أنبيائه ورسله وملائكته والصالحين من عباده ، فإنهم جميعاً مظاهر لأسماء الله الحسنى وصفاته العليا . « 1 »
هامش
( 1 ) يمكن مراجعة المعالجة الثانية تفصيلًا في التوحيد ، للسيد الحيدري : ج 2 ص 381 ، 388 .