عندما يشاهد أصحاب النار أنهم صفر الأيدي من الخير ، هالكون بفساد أعمالهم ، يسألون أحد أمرين يصلح به ما فسد من أمرهم ، إما شفعاء ينجونهم من الهلاك الذي أطلّ عليهم ، أو أن يردّوا إلى الدنيا فيعملوا صالحاً غير الذي كانوا يعملونه من السيّئات . وفى قوله : فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا دلالة على أن هناك شفعاء يشفعون للناس إذ قال : مِنْ شُفَعَاءَ ولم يقل : من شفيع فيشفع لنا . وقوله : قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ في موقع التعليل لما حكى عنهم من سؤال أحد أمرين : إما الشفعاء وإما الردّ إلى الدنيا . كأنه قيل : لماذا يسألون هذا الذي يسألون ؟ فقيل : قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ في ما بدّلوا من دينهم لهواً ولعباً ، واختاروا الجحود على التسليم ، وقد زالت عنهم الافتراءات المضلّة التي كانت تحجبهم عن ذلك في الدنيا ، فبان لهم أنهم في حاجة إلى من يصلح لهم أعمالهم إما أنفسهم أو غيرهم ممن يشفع لهم .
قوله : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِى جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ( المدثر : 48 38 ) .
يمكن تقريب الاستدلال بقوله فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ من وجهين :
الأول : أنها تنفى الانتفاع عن طائفة خاصّة من المجرمين لا عن جميعهم ؛ قال الرازي في تفسيره : « احتجّ أصحابنا على ثبوت الشفاعة للفسّاق بمفهوم هذه الآية ، وقالوا : إن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشفاعين » « 1 » .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ، مصدر سابق : ج 3 ص 186 .