المزدلف وقالوا : إن هذه الجيوش قد أحدقت بنا من كل ناحية فما ترى ؟ قال : أرى أن تجعلوا حصونكم سيوفكم ورماحكم وتوطنوا أنفسكم على الموت . فقالوا : نعم واللّه لنفعلن ! ثم إن قيس بن مسعود أقبل في سواد الليل من عسكر إياس حتى أتى هانئ بن مسعود فقال : يا ابن عم إنه قد حل بكم من الأمر ما قد ترون ففرق خيل النعمان وسلاحه في أشداء قومك ليقووا بذلك على القتال فهي مأخوذة لا محالة إن قتلوا وإن سلموا أمرتهم فردوها عليك ، وعليك بالجد والصبر ، وإياك ثم إياك أن تخفر ذمتك في تركة النعمان حتى تقتل ويقتل معك جميع قومك ! قال له هانئ : أوصيت يا ابن عم محافظا فوصلتك رحم وأرجو ألا ترى منا تقصيرا ولا فتورا ، فانصرف قيس ذو الجدين من عند هانئ كئيبا حزينا باكيا خائفا من هلاك قومه حتى أتى عسكر إياس وكان يريه أنه مجامع له على حرب قومه خوفا أن يجد عليه كسرى فيقتله ، فلما أصبح هانئ بن مسعود دعا بخيل النعمان وسلاحه ففرقه في أبطال قومه وأشدائهم ، فركبوا تلك الخيول ، وكانت ستمائة فرس وستمائة درع ، واستلأموا تلك الدروع ، وكان ذلك في العام الذي هاجر فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلى المدينة ، واتفقت بكر بن وائل أن تجعل شعارها باسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، محمد يا منصور ، وذلك قبل أن يسلموا ، وبذلك الاسم نصروا وقهروا عدوهم ، وعمد رجل من أشراف بني عجل يقال له حنظلة بن سيار إلى حزم رحالات النساء فقطعها كلها ، أراد بذلك أن يمنع قومه من الهرب إن وقعت الهزيمة ، فسمي بذلك مقطع الوضين . وإن إياس بن قبيصة أرسل إلى بكر بن وائل يخيرهم خصلة من ثلاث : إما أن يسلموا تركة النعمان ، وإما أن يسيروا ليلا في البراري فيعتل على كسرى أنهم هربوا ، فإن أبوا هاتين الخلتين خرجوا إلى الحرب . فتوامروا بينهم فقالوا : إما أن نسلم خفارتنا فلا يكون ذلك وإن نحن لحقنا بالفلاة أفضينا إلى بلاد تميم فيقطعون علينا ويأخذون ما معنا ويأسروننا وليس لنا حيلة إلا القتال ، فاختاروا القتال ووجهوا خمسمائة فارس من أبطالهم عليهم زيد بن حارثة اليشكري وأمروهم أن يكمنوا للعجم ، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض وتقدم الهامرز فوقف بين الصفين ونادى بالفارسية : مردى آمردى . فقال يزيد بن حارثة : ما يقول ؟ قال :
يدعوا إلى البراز رجلا لرجل .
فقال : وأبيكم لقد أنصف ! ثم خرج إليه فاختلف بينهما ضربتان فضربه يزيد ضربة بالسيف على منكبه فقدّ درعه حتى أفضى السيف إلى منكبه فأبانه فخر ميتا الهامرز أول قتيل بين الصفين ، وألقى اللّه عز وجل الرعب في قلوب العجم فولوا منهزمين ، ولحق حنظلة بن سيار العجلي بهرمز جرابزين قائد العجم فطعنه طعنة خر منها ميتا ، ودفع هانئ بن مسعود فرسه في طلب إياس بن قبيصة حتى لحقه ومعه قيس بن مسعود ذو الجدين ، فأراد هانئ قتل إياس فمنعه قيس وحال بينه وبين قتله ، واتبع العجم خمس مائة فارس من بني شيبان لا يلوون
المحاسن والمساوئ — صفحة 87
مساهمون: ابراهيم بن محمد البيهقي
ص٨٧