تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاسن والمساوئ — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
نظر مروان إلى ذلك حسده وكان معاوية قال لهم : لا تحاوروا هذين الرجلين فلقد قلداكم العار وفضحاكم عند أهل الشام ، يعني الحسن بن علي ، رضي اللّه عنهما ، وعبد اللّه بن العباس ، رضي اللّه عنهما ، فقال مروان : يا حسن لولا حلم أمير المؤمنين وما قد بنى له آباؤه الكرام من المجد والعلاء ما أقعدك هذا المقعد ولقتلك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير ، فلما أحسست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام وصناديد بني أمية أذعنت بالطاعة واحتجرت بالبيعة وبعثت تطلب الأمان ، أما واللّه لولا ذلك لأريق دمك ، وعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى ، فاحمد اللّه إذ ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه ثم صنع بك ما ترى ، فنظر إليه الحسن فقال : ويحك يا مروان ، لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها والمخاذلة عند مخالطتها ، نحن ، هبلتك « 1 » الهوابل ، لنا الحجج البوالغ ولنا إن شكرتم عليكم النعم السوابغ . ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار ، فشتان ما بين المنزلين ، تفخر ببني أمية وتزعم أنهم صبر في الحروب أسد عن اللقاء ، ثكلتك أمك أولئك البهاليل السادة والحماة الذادة والكرام القادة بنو عبد المطلب ، أما واللّه لقد رأيتهم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال ولم يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضارية الباسلة الحنقة ، عندها وليت هاربا وأخذت أسيرا فقلدت قومك العار لأنك في الحروب خوار ، أيراق دمي زعمت ؟ أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل وأنت تثغو ثغاء النعجة وتنادي بالويل والثبور كالأمة اللكعاء ، ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت عنه بسهم ؟ لقد ارتعدت فرائضك وغشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربه ، فأنجيتك من القتل ومنعتك منه ثم تحت معاوية على قتلي ، ولو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفان ، أنت معه أقصر يدا وأضيق باعا وأجبن قلبا من أن تجسر على ذلك ثم تزعم أني ابتليت بحلم معاوية ، أما واللّه لهو أعرف بشأنه وأشكر لما وليناه هذا الأمر فمتى بدا له فلا يغضينّ جفنه على القذى معك ، فو اللّه لأثخنن أهل الشام بجيش يضيق عنه فضاؤها ويستأصل فرسانها ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والروغان ولا يرد عنك الطلب تدريجك الكلام ، فنحن ممن لا يجهل آباؤنا القدماء الأكابر وفروعنا السادة الأخيار ، انطق إن كنت صادقا . فقال عمرو : ينطق بالخنى وتنطق بالصدق . ثم أنشأ يقول :
قد يضرط العير والمكواة تأخذه * لا يضرط العير والمكواة في النّار
ذق وبال أمرك يا مروان . وأقبل عليه معاوية فقال : قد كنت نهيتك عن هذا الرجل وأنت تأبى إلا انهماكا فيما لا يعنيك ، أربع على نفسك فليس أبوك كأبيه ولا أنت مثله ، أنت ابن الطريد الشريد وهو ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الكريم ، ولكن ربّ باحث عن حتفه وحافر عن مديته .
هامش
( 1 ) هبلتك الهوابل أي ثكلتك الثواكل وفقدتك .
المحاسن والمساوئ — صفحة 69 | ابراهيم بن محمد البيهقي