حملك على ذلك ، أضعف رأي أم وهن نحيزة « 1 » ، فما أظن لك مخرجا من هاتين الخلتين ، أما واللّه لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أني ابن الزبير وأني لا أنكص عن الأبطال ، وكيف لا أكون كذلك وجدّتي صفية بنت عبد المطلب وأبي الزبير حواري رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأشد الناس بأسا وأكرمهم حسبا في الجاهلية وأطوعهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فالتفت إليه الحسن وقال : أما واللّه لولا أن بني أمية تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت عنك تهاونا ، ولكن سأبين ذلك لك لتعلم أني لست بالعي ولا الكليل اللسان ، إياي تعيّر وعليّ تفتخر ولم يكن لجدك بيت في الجاهلية ولا مكرمة فزوجته جدتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ على جميع العرب بها وشرف بمكانها ، فكيف تفاخر من هو من القلادة واسطتها ومن الأشراف سادتها ؟
نحن أكرم أهل الأرض زندا ، لنا الشرف الثاقب والكرم الغالب ، ثم تزعم أني سلمت الأمر لمعاوية ، فكيف يكون ذلك ويحك كذلك وأنا ابن أشجع العرب وقد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين وخير الإماء ؟ لم أفعل ذلك ويحك جبنا ولا ضعفا ولكنه بايعني مثلك وهو يطلبني ببرة ويداجيني المودة ولم أثق بنصرته لأنكم أهل بيت غدر ، وكيف لا يكون كما أقول وقد بايع أبوك أمير المؤمنين ثم نكث بيعته ونكص على عقبيه واختدع حشية من حشايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ليضل بها الناس ، فلما دلف « 2 » نحو الأعنة ورأى بريق الأسنة قتل مضيعة لا ناصر له وأتي بك أسيرا وقد وطئتك الكماة بأظلافها والخيل بسنابكها واعتلاك الأشتر فغصصت بريقك وأقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث ؟ فنحن ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تلقى مقاليد الأزمة ، أنصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء ؟ لم تزل الأقاويل منا مقبولة وعليك وعلى أبيك مردودة ، دخل الناس في دين جدي طائعين وكارهين ثم بايعوا أمير المؤمنين ، رضي اللّه عنه ، فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة وخدعا عرس « 3 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقتل أبوك وطلحة وأتي بك أسيرا ، فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك ، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وسيد أبيك ، فذق وبال أمرك ! فقال ابن الزبير : اعذر يا أبا محمد فإنما حملني على محاورتك هذا وأحب الإغراء بيننا فهلا إذ جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو ! فقال الحسن : يا معاوية انظر هل أكيع عن محاورة أحد ، ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي ؟ انته قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان ، فقال ابن الزبير : هو لذلك أهل . فقال معاوية :
هامش
( 1 ) نحيزة : نحيزة الرجل طبيعته .
( 2 ) الدلف : المشي الرويد ودلف دلفا إذا مشى وقارب الخطى .
( 3 ) عرس : العرس الصهر : وعرس الرجل زوج ابنته وأخته .