تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاسن والمساوئ — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
رجل من قريش ولقد رميت فما برح سهمك وقدحت فما أورى زندك . فسمع الحسن الكلام . فلما أخذ الناس مجالسهم قال : يا معاوية لا يزال عندك عبد راتعا في لحوم الناس ، أما واللّه لو شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الأمور وتحرّج منه الصدور ، ثم أنشأ يقول :
أتأمر يا معاوي عبد سهم * بشتمي والملا منّا شهود إذا أخذت مجالسها قريش * فقد علمت قريش ما تريد قصدت إليّ تشتمني سفاها * لضغن ما يزول وما يبيد فما لك من أب كأبي تسامي * به من قد تسامي أو تكيد ولا جدّ كجدّي يا ابن هند * رسول اللّه إن ذكر الجدود ولا أمّ كأمي من قريش * إذا ما يحصل الحسب التّليد فما مثلي تهكّم يا ابن هند * ولا مثلي تجاريه العبيد فمهلا لا تهج منّا أمورا * يشيب لها معاوية الوليد
وذكروا أن عمرو بن العاص قال لمعاوية ذات يوم : ابعث إلى الحسن بن علي فمره أن يخطب على المنبر فلعله يحصر فيكون ذلك مما نعيره به ، فبعث إليه معاوية فأصعده المنبر وقد جمع له الناس فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس من عرفني فأنا الذي يعرف ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب ابن عم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أنا ابن البشير النذير السراج المنير ، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين وسخطا على الكافرين ، أنا ابن من بعث إلى الجن والإنس ، أنا ابن المستجاب الدعوة ، أنا ابن الشفيع المطاع ، أنا ابن أول من ينفض رأسه من التراب ، أنا ابن أول من يقرع باب الجنة ، أنا ابن من قاتلت معه الملائكة ونصر بالرعب من مسيرة شهر . فافتنّ في هذا الكلام ولم يزل حتى أظلمت الدنيا على معاوية ، فقال : يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك . فقال الحسن : إنما الخليفة من سار بسيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعمل بطاعة اللّه ، وليس الخليفة من دان بالجور وعطل السنن واتخذ الدنيا أبا وأما ، ولكن ذاك ملك أصاب ملكا يمتع به قليلا وكان قد انقطع عنه واستعجل لذته وبقيت عليه تبعته فكان كما قال اللّه جل وعز :
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ
[ الأنبياء : 110 ] ثم انصرف ، فقال معاوية لعمرو : واللّه ما أردت إلا هتكي ! ما كان أهل الشام يرون أنّ أحدا مثلي حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا . قيل : وقدم الحسن بن علي ، رضوان اللّه عليه ، على معاوية ، فلما دخل وجد عنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه اليمن وأهل الشام ، فلما نظر إليه معاوية أقعده على سريره وأقبل عليه بوجهه يريه السرور بمقدمه ، فيما