تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاسن والمساوئ — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
[ العلق : 3 - 4 ] ، فوصف نفسه تعالى جدّه بأنّه علّم بالقلم كما وصف نفسه بالكرم واعتد بذلك في نعمة العظام وأياديه الجسام ووضع القلم في المكان الرفيع ونوّه بذكره وأقسم به كما أقسم بما يخطّ به فقال :
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
[ القلم : 1 - 2 ] ، والقلم أرجح من اللسان لأن كتابته تقرأ بكلّ مكان ويظهر ما فيه على كلّ لسان ويوجد مع كلّ زمان ، ومناقلة اللّسان وهديّته لا تجاوزان مجلس صاحبه ومبلغ صوته ، والكتاب يخاطبك من بعيد ، وقد قالوا : القلم أحد اللسانين ، وقالوا : كلّ من عرف النعمة في بيان اللّسان كان أعرف لفضل النعمة في بيان القلم . وقد يعتري القلم ما يعتري المؤدّب عند ضربه وعقابه ، فما أكثر من يعزم على عشرة أسواط فيضرب مائة لأنّه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع فأراه السكون أنّ الصّواب في الإقلال فلمّا ضرب تحرّك دمه فأشاع الحرارة فيه وزاد في غضبه فأراه الغضب أنّ الرأي في الإكثار ، وكذلك صاحب القلم فما أكثر من يبتدئ الكتاب وهو يريد مقدار سطرين فيكتب عشرة . وقد قيل : القلم الشاهد والغائب يقرأ بكلّ لسان وفي كلّ زمان . وقالوا : ظاهر عقول الرّجال في اختيارها ومدوّن في أطراف أقلامها ، ومصباح الكلام حسن الاختيار . وقالوا : القلم مجهّز جيوش الكلام ، يخدم الإرادة ولا يملّ الاستزادة ، ويسكت واقفا وينطق سائرا على الأرض ، بياضه مظلم وسواده مضيء ، وقال الشاعر :
قوم إذا خافوا عداوة معشر * سفكوا الدّما بأسنّة الأقلام ولمشقة من كاتب بمداده * أمضى وأقطع من صنيع حسام
وقال آخر أيضا :
ما السّيف سيف الكميّ * بأخوف من قلم الكاتب له غاية إن تأمّلتها * ظهرت على سوأة الغائب أداة المنيّة في جانبيه * فمن مثله رهبة الرّاهب سنان المنيّة في جانب * وسيف المنيّة في جانب ألم تر في صدره كالسّنان * وفي الرّدف كالمرهف القاضب فيجري به الكفّ في حالة * على هيئة الطّاعن الضّارب
وقال آخر أيضا ملغزا :
وأعجف رجلاه في رأسه * يطير حثيثا على الأملس مطاياه من تحته الإصبعان * ولولا مطاياه لم يلمس
وقال آخر ، سامحه اللّه :
وأعجف منشقّ الشّباة مقلّم * موشّى القرا طاوي الحشا أسود الفم
المحاسن والمساوئ — صفحة 12 | ابراهيم بن محمد البيهقي