تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاسن والمساوئ — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
كتابا فأجد اهتزازي فيه من الفوائد والأريحية التي تعتادني وتعتريني من سرور الاستنباه وعز التبيين أشد إيقاظا من نهيق الحمار وهدة الهدم ، وإني إذا استحسنت كتابا واستجدته رجوت فيه فائدة ، فلو تراني ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه مخافة استنفاده وانقطاع المادة من قبله ، وإن كان الكتاب عظيم الحجم وكان الورق كبير القدر . وذكر له العتبي « 1 » كتابا لبعض القدماء وقال : لولا طوله لنسخته ، فقال : ما رغبتي إلا فيما زهدت عنه ، وما قرأت كتابا كبيرا فأخلاني من فائدة ولا أحصي كم قرأت من صغار الكتب فخرجت منها كما دخلت فيها . قال ابن داحة : كان عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، لا يجالس الناس ونزل مقبرة من المقابر وكان لا يكاد يرى إلا وفي يده كتاب يقرأ فيه ، فسئل عن ذلك وعن نزوله المقبرة فقال : لم أر أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ولا أسلم من الوحدة . وقيل لابن داحة وقد أخرج إليه كتاب أبي الشمقمق « 2 » وهو في جلود كوفية وورقتين طابقتين لا بخط عجيب فقال : لقد ضيع درهمه صاحب هذا الكتاب ، وقال : واللّه إن القلم ليعطيكم مثل ما تعطونه ولو استطعت أن أتودعه سويداء قلبي وأجعله مخطوطا على ناظري لفعلت . وقال : بعضهم كنت عند بعض العلماء وكنت أكتب عنه بعضا وأدع بعضا فقال لي : اكتب كل ما تسمع فإن أخس ما تسمع خير من مكانه أبيض ، وقيل :
أما لو أعي كلّ ما أسمع * وأحفظ من ذاك ما أجمع ولم أستفد غير ما قد جمعت * لقيل هو العالم المقنع ولكنّ نفسي إلى كل نوع * من العلم تسمعه تجزع فلا أنا أحفظ ما قد جمعت * ولا انا من جمعه أشبع ومن لثّ في علمه هكذا * ترى دهره القهقرى يرجع إذا لم تكن حافظا واعيا * فجمعك للكتب لا ينفع
وقال بعضهم : الحفظ مع الإقلال أمكن ومع الإكثار أبعد وهو للطبائع مع رطوبة القضيب أقبل ، ومنها قول الشاعر :
هامش
ثم غضب عليه المتوكل فنفاه إلى خراسان . ( 1 ) العتبي : محمد بن عبد الجبار العتبي من عتبة بن غزوان مؤرخ من الكتاب الشعراء أصله من الرّي انتهت إليه رئاسة الإنشاء في خراسان والعراق . ( 2 ) مروان بن محمد شاعر هجاء من أهل البصرة خراساني الأصل
المحاسن والمساوئ — صفحة 14 | ابراهيم بن محمد البيهقي