والأماكن المذكورة ويضعون الخطّ في أبعد المواضع من الدثور وأمتعها من الدروس وأجدر أن يراها من مرّ ولا ينسى على مرور الدهور ، وعمدوا إلى الرسوم ونقوش الخواتيم فجعلوها سببا لحفظ الأموال والخزائن ولولاها لدخل على الناس الضّرر الكبير .
ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره ولبطلت معرفة التضاعيف ، ونفع الحساب معلوم والخلة في موضع فقده معروفة . قال عز وجل :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[ : ] .
ولولا الكتب المدوّنة والأخبار المجلّدة والحكم المخطوطة التي تجمع الحساب وغير الحساب لبطل أكثر العلم .
ولولا الكتاب لم يكن يعلم أهل الرّقّة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء ، وذلك مشهور في الحمام إذا أرسلت ، وكانت العرب تعمّد في مآثرها على الشعر الموزون والكلام المقفّى وكان ذلك ديوانها على أنّ الشّعر بقيّة فضيلة البيان على الشاعر الراغب وفضيلة الأثر على السيّد المرغوب إليه . وكانت العجم تقيّد مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير وبناء إصطخر وبيضاء المدائن وشيرين والمدن والحصون والقناطر والجسور ، ثمّ إن العرب شاركت العجم في البنيان وتفرّدت بالشّعر ، فلها من البنيان غمدان وكعبة نجران وقصر مأرب وقصر شعوب والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان .
وتصنيف الكتب أشدّ تقييدا للمآثر على مرّ الأيام والدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس وتعفو رسومه والكتاب باق يقع من قرن إلى قرن فهو أبدا جديد والناظر فيه مستفيد وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير ، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل وأرباب النّحل وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء يكتبون كتب الظّرفاء والملحاء وكتب الملاهي والفكاهات وكتب أصحاب المراء والخصومات وكتب أصحاب العصبيّة وحميّة الجاهليّة فمنهم من يفرط في التعلّم في أيّام جهله وخمول ذكره وحداثة سنّه ، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحرّكت همم هؤلاء لطلب العلم ونازعت إلى حبّ الأدب وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشوة ويدخل عليهم الضرر والحقارة وسوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلّا بالكلام الكثير ، ولذلك قال عمر بن الخطّاب : تفقّهوا قبل أن تسودوا .
وقال بعض الحكماء : ذهب المكارم إلّا من الكتب ، وقال اللّه عزّ وجلّ :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ