أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبي خاليا فتمكّنا
وقيل : العلم في الصغر كالنقش في الحجر ، فسمع ذلك الأحنف فقال : الكبير أكثر عقلا ولكنه أكثر شغلا ، وكما قال :
وإنّ من أدّبته في الصبى * كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا * بعد الّذي أبصرت من يبسه
والصبي على الصبى أفهم وله آلف وإليه أنزع ، وكذلك العالم على العلم والجاهل على الجهل ، وقال اللّه تبارك وتعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
[ الأنعام : 9 ] .
لأن الإنسان على الإنسان أفهم وطباعه بطباعه آنس ، ومن التقط كتابا جامعا كان له غنمه وعلى مؤلفه غرمه ، وكان له نفعه وعلى صاحبه كده ، ومتى ظفر بمثله صاحب علم فهو وادع جام ومؤلفه متعوب مكدود وقد كفي مئونة جمعه وتتبعه وأغناه عن طول التفكير واستنفاد العمر ، كان عليه أن يجعل ذلك من التوفيق والتسديد إذا بالغ صاحبه في تصنيفه وأجاد في اختياره قال أبو هفان « 1 » :
إذا آنس النّاس ما يجمعون * أنست بما يجمع الدّفتر
له وطري وله لذّتي * على الكأس والكأس لا تحضر
تدور على الشّرب محمودة * لها المورد الخرق والمصدر
يغنّيهم ساحر المقلتين * كشمس الضّحى طرفه أحور
وريحانهم طيب أخلاقهم * وعندهم الورد والعبهر
على أنّ همّتنا في الحروب * فتلك الصّناعة والمتجر
قال : لما قلتها عرضتها على ابن دهقان فقال : إذا سمع بها الخليفة استغنى بها عن الندماء . وأنشدنا غيره :
نعم المحدّث والرفيق كتاب * تلهو به إن خانك الأصحاب
لا مفشيا سرا إذا استودعته * وتنال منه حكمة وصواب
وقال آخر :
نعم الجليس بعقب قعدة ضجرة * للملك والأدباء والكتّاب
ورق تضمّن من خطوط أنامل * مرعى من الأخبار والآداب
يخلو به من ملّ من أصحابه * فيقال خلو وهو في الأصحاب
هامش
( 1 ) عبد اللّه بن أحمد العبدي ، أبو هفان راوية عالم بالشعر والأدب من أهل البصرة .