كاتِبِينَ
[ الانفطار : 11 ] وقال :
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ
[ الانشقاق : 10 ] وقال :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
[ الإسراء : 14 ] ولو لم تكن تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان ولكنه تعالى جده علم أن نسخه أوكد وأبلغ وأهيب في الصدور فقال جلّ ذكره :
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الجاثية : 29 ] ولو شاء اللّه أن يجعل البشارات بالمرسلين على الألسنة ولم يودعها الكتب لفعل ، ولكنه تبارك وتعالى علم أنّ ذلك أتمّ وأبلغ وأكمل وأجمع .
وفي قول سليمان ، عليه السلام :
اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ
[ النمل : 28 ] .
وقد كان عنده من يبلغ الرسالة على تمامها من عفريت وإنسيّ وغيرهما ، فرأى الكتاب أبهى وأحسن وأكرم وأفخم وأنبل من الرسالة ، ولو شاء النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا يكتب إلى قيصر وكسرى والنّجاشيّ والمقوقس وإلى بني الجلندي « 1 » وإلى العباهلة من حمير وإلى هوذة والملوك العظماء والسادة النّجباء لفعل ولوجد المبلغ المعصوم من الخطأ والزّلل والتّبدّل ، ولكنّه صلّى اللّه عليه وسلّم علم أنّ الكتاب أشبه بتلك الحالة وأليق بتلك المراتب وأبلغ في تعظيم ما حواه الكتاب ، وحمله إن كثر ورقه فليس ممّا يملّ لأنه إن كان كتابا واحدا فإنّه كتب كثيرة .
فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأوّل حتى يهجم على الثاني ولا الثالث حتى يهجم على الرابع ، فهو أبدا مستفيد ومستطرف ، وبعضه يكون حاثّا لبعض ، ولا يزال نشاطه زائدا متى خرج من أثر صار في خبر حتى يخرج من خبر إلى شعر ومن الشعر إلى النوادر ومن النوادر إلى نتف وإلى مواعظ حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة وملح ومضاحك وخرافة .
وكانوا يجعلون الكتاب نقرا في الصّخور ونقشا في الحجارة وحلقة مركبة في البنيان ، وربّما كان الكتاب هو الناتئ وربّما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخا لأمر جسيم أو عهدا لأمر عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره ، كما كتبوا على قبّة غمدان « 2 » وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقّر « 3 » وعلى الأبلق الفرد « 4 » من تيماء وعلى باب الرّهاء « 5 » . يعمدون إلى المواضع الرّفيعة المشهورة
هامش
( 1 ) بنو الجلندي من أشراف اليمن .
( 2 ) غمدان بضم أوله وسكون ثانيه وآخره نون ، اسم قصر بناه يشرح بن يحصب .
( 3 ) المشقّر مأخوذ من الشقرة وهي الحمرة أو من الشقر وهي شقائق النعمان قال ابن الفقيه هو حصن بين نجران والبحرين يقال إنه من بناء طسم .
( 4 ) الأبلق بوزن الأحمر حصن السموأل بن عادياء اليهودي وهو المعروف بالأبلق الفرد مشرف على تيماء بين الحجاز والشام .
( 5 ) الرهاء بضم أوله والمد والقصر : مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام بينهما ستة فراسخ سميت باسم الذي استخدمها -