تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاسن والمساوئ — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
في هذا البعث تدفن صاحب نبيك بجنب مدينتي فإذا وليت عنه نبشته فطرحته للكلاب ، فأرسل إليه يزيد : إني ما أردت أن أجنّه حتى أودع مسامعك كلامي ، وكفرت بالذي أكرمت له هذا الميت ، لئن تعرضت له لا تركت في أرض العرب نصرانيا إلا سفكت دمه واستصفيت ماله وسبيت حرمه ، فأرسل إليه قيصر : كان أبوك أعرف لك مني وإني أحلف بحق المسيح ، عليه السلام ، لا يحرسه سنة أحد غيري . وعن بعض مشايخ المدينة قال : كانت عند عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ، رضوان اللّه عليهما ، جارية مغنية يقال لها عمارة ، فلما وفد عبد اللّه على معاوية خرج بها معه فزاره يزيد ذات يوم وأقام عنده ، فأخرجها إليه فلما نظر إليها وسمع غناءها وقعت في نفسه فأخذه عليها ما لم يملك نفسه معه وجعل يمنعه من أن يبوح به مكان أبيه مع يأسه من الظفر بها ، فلم يزل يكاتمه إلى أن مات معاوية وأفضى إليه الأمر وتقلد الخلافة يزيد ، فاستشار بعض من يثق به في أمرها فقال : إن أمر عبد اللّه لا يرام ، وأنت لا تستجيز إكراهه ولا يبيعها بشيء أبدا وليس يغني في هذا الأمر إلا الحيلة ، قال : اطلب لي رجلا عاقلا من أهل العراق ظريفا أديبا له معرفة ودراية ، فطلبوه فأتوه به ، فلما دخل عليه من استنطقه فرأى بيانا وحلاوة وفقها ، فقال له : إني دعوتك لأمر إن ظفرت به فهو حظوتك آخر الدهر ويد أكافيك عليها ، ثم أخبره بأمره ، فقال : يا أمير المؤمنين إن عبد اللّه بن جعفر ما يرام ما قبله إلا بالخديعة وإن يقدر على ما سألت رجل فأرجو أن أكونه والقوة باللّه ، فأعني يا أمير المؤمنين بالمال ، قال : خذ ما أحببت ، فأخذ واشترى من طرف الشام وثياب مصر ومتاعها للتجارة ومن الرقيق والدواب وغير ذلك حاجته وشخص إلى المدينة فأناخ بعرصة عبد اللّه بن جعفر واكترى « 1 » منزلا إلى جانبه ثم توسل إليه وقال : أنا رجل من أهل العراق وقدمت بتجارة فأحببت أن أكون في جوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به ، فبعث عبد اللّه إلى قهارمته « 2 » وقال : أكرموا جارنا وأوسعوا عليه المنزل ، فلما اطمأن العراقي وسلم عليه أياما وعرفه نفسه هيّأ له بغلة فارهة وثيابا من ثياب العراق وألطافا وبعث بها إليه وكتب رقعة يقول فيها : يا سيدي أنا رجل تاجر ونعمة اللّه عليّ سابغة وعندي احتمال وقد بعثت إليك بشيء من اللطف وهو كذا ومن الثياب والعطر وبعثت إليك ببغلة خفيفة العنان وطية الظهر فاتخذها لرحلك وأنا أسألك بقرابتك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلا قبلت هديتي ولم توحشني بردها فإني أدين اللّه عز وجل بحبك وحب أهل بيتك ، وإن أفضل ما في سفري هذا أن أستفيد الأنس بك وأتشرف بمواصلتك ، وأمر عبد اللّه بقبض هديته وخرج إلى
هامش
( 1 ) اكترى : استأجر . ( 2 ) قهارمته : خدامه وغلمانه .