تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاسن والمساوئ — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
أنزلتك هذه المنزلة ، وأما العمل فاصبر رويدا يدرك الهجاء حمل « 1 » . فاستأذنه في القدوم عليه فأذن له ، فوافاه ، فقال له معاوية : يا مغيرة كبرت سنك واقترب أجلك ولم يبق منك شيء وسأستبدل بك ، فانصرف فرأى أصحابه الكآبة في وجهه فقالوا : ما لك ؟ قال : قال لي كيت وكيت ، قالوا له : فما تريد أن تصنع ؟ قال : ستعلمون ، قال : فأتى معاوية فقال له : يا أمير المؤمنين إن الإنسان يغدو ويروح ، ولست في زمن أبي بكر ولا عمرا ، فلو أنك نصبت لنا إنسانا نصير إليه بعدك ، كان الرأي على أني قد كنت دعوت أهل العراق إلى يزيد ، قال : يا أبا محمد انصرف إلى عملك واحكم هذا الأمر لابن أخيك . قال : فأقبل على البريد يركض وقال : قد واللّه وضعت رجله في ركاب طويل الركض ، قال : فذاك هو الذي بعث معاوية على أخذ البيعة ليزيد .

مساوئ العيّ وضعف العقل

قال ثمامة صاحب الكلام : كان المأمون قد هم بلعن معاوية وأن يكتب بذلك كتابا في الطعن عليه ، قال : ففثأه « 2 » عن ذلك يحيى بن أكثم وقال : يا أمير المؤمنين العامة لا تحتمل هذا ولا سيما أهل خراسان ولا تأمن أن يكون لهم نفرة ونبوة لا تستقال ولا يدرى ما تكون عاقبتها ، والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق فإن ذلك أصلح في السياسة وآمن في العاقبة وأجرى في التدبير ، فركن إلى قوله ، فلما دخلت عليه قال : يا ثمامة قد علمت ما كنا دبرناه في أمر معاوية وقد عارضنا رأي هو أصلح في تدبير المملكة وأبقى ذكرا في العامة ، ثم أخبرني أن يحيى بن أكثم حذره وأخبره بنفور العامة عن مثل هذا الرأي ، فقلت : يا أمير المؤمنين والعامة عندك في هذا الموضع الذي وضعها فيه يحيى ، واللّه بعثت إليها إنسانا على عاتقه سواد ومعه عصا لساق إليك عشرة آلاف ! واللّه يا أمير المؤمنين ما رضي اللّه جل وعز أن سواها بالأنعام حتى جعلها أضل سبيلا ، فقال تبارك وتعالى :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
[ الفرقان : 44 ] واللّه لقد مررت يا أمير المؤمنين منذ أيام في شارع الخلد وأنا أريد الدار فإذا إنسان قد بسط كساءه وألقى عليه أدوية وهو قائم ينادي : هذا الدواء للبياض في العين والغشاوة والظلمة وضعف البصر ، وإنّ إحدى عينيه لمطموسة والأخرى مؤلمة ، وقد تألبوا عليه واحتفلوا إليه ، فنزلت عن دابتي ودخلت بين تلك الجماعة فقلت : يا هذا أرى عينيك
هامش
( 1 ) حمل : مثل وحمل اسم رجل . ( 2 ) فثأ إذا سكن غضبه وهدأ روعه .