الصنفين معا ، فبطل ما فعلوه من تحريم بعض في حالة وبعض في حالة ، لأن العلّة على ما ذكر تقتضى إطلاق التحريم ، والأخذ عن اللّه بلا واسطة باطل ولم يدعوه ، وبواسطة رسول كذلك ، لأنّه لم يأت إليهم رسول قبل النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، وإذا بطل جميع ذلك ثبت المدّعى ، وهو أن ما قالوه افتراه على اللّه وضلال .
ومنها القول بالموجب ، قال ابن أبي الأصبع : وحقيقته رد كلام الخصم من فحوى كلامه . وقال غيره : هو قسمان :
أحدهما : أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شئ أثبت له حكم ؛ فيثبتها لغير ذلك الشيء ، كقوله تعالى :
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ . . .
« 1 »
الآية ، « الأعز » وقعت في كلام المنافقين كناية عن فريقهم ، و « الأذل » عن فرق المؤمنين ، وأثبت المنافقون لفريقهم ، وهو اللّه ورسوله والمؤمنون ، وكأنه قيل : صحيح ذلك ، ليخرجنّ الاعزّ منها الأذل ، لكن هم الأذل المخرّج ، واللّه لأعز المخرج .
والثاني : حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه ، ولم أر من أورد له مثالا من القرآن وقد ظفرت بآية منه ، وهي قوله تعالى :
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
« 2 » .
ومنها التسليم ، وهو أن يفرض المحال ، إما منفيا أو مشروطا بحرف الامتناع ، لكون المذكور ممتنع الموقوع لامتناع وقوع شرطه ، ثم يسلّم وقوع ذلك تسليما جدليا . ويدل على عدم فائدة ذلك على تقدير وقوعه ، كقوله تعالى :
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
« 3 » . المعنى ، : ليس مع اللّه من إله ، ولو سلّم أن معه سبحانه وتعالى إلها لزم من ذلك التسليم ذهاب كل إله من الاثنين بما خلق ، وعلو بعضهم على بعض ، فلا يتم في العالم أمر ، ولا ينفذ حكم ، ولا تنظم أحواله :
والمواقع خلاف ذلك ، ففرض إلهين فصاعدا محال لما يلزم منه المحال .
هامش
( 1 ) . المنافقون / 8 .
( 2 ) . التوبة / 61 .
( 3 ) . المؤمنون / 91 .