تخطي إلى المحتوى الرئيسي

گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
ومنها الإسجال ، وهو الإتيان بألفاظ تسجّل على المخاطب وقوع ما خوطب به ، نحو
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ
« 1 »
رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ
« 2 » فان في ذلك اسجالا بالإيتاء الإدخال حيث وصفا بالوعد من اللّه الذي لا يخلف وعده . ومنها الانتقال ، هو أن ينتقل المستدل إلى استدلال غير الذي كان آخذا فيه ، لكون الخصم لم يفهم وجه الدلالة من الأول ، كما جاء في مناظرة الخليل الجبار لما قال له
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
« 3 » فقال الجبار :
أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
، ثم دعا بمن وجب عليه القتل فاعتقه ، ومن لا يجب عليه فقتله ، فعلم الخليل أنه لم يفهم معنى الاحياء والإماتة ، أو علم ذلك وغالط بهذا الفعل ، فانتقل عليه السلام إلى استدلال لا يجد الجبار له وجها يتخلص به من ، فقال :
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
« 4 » ، فانقطع الجبار وبهت ، ولم يمكنه أن يقول : أنا الآتي بها من الشرق ؛ لأن من هو أسن منه يكذبه . ومنها المناقضة ، وهي تعليق أمر على مستحيل ، إشارة إلى استحالة وقوعه كقوله تعالى :
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
. ومنها مجاراة الخصم ليعثر ، بأن يسلّم بعض مقدماته ، حيث يراد تبكيته وإلزامه ، كقوله تعالى :
قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . . .
« 5 » الآية ، فقولهم :
إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . . .
الآية ، فيه اعتراف الرسل بكونهم مقصورين على البشرية ، فكأنهم سلّموا انتفاء الرسالة عنهم ، وليس مرادا ، بل هو مجاراة الخصم ليعثر ؛ فكأنهم قالوا : ما ادعيتم من كوننا بشرا حق لا ننكره ، ولكن هذا لا ينافي أن يمن اللّه تعالى علينا بالرسالة .
هامش
( 1 ) . آل عمران / 194 . ( 2 ) . غافر / 8 . ( 3 ) . البقرة / 258 . ( 4 ) . البقرة / 258 . ( 5 ) . إبراهيم / 10 و 11 .