قوله
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها
« 1 » قال القلب للاختصاص بالنسبة إلى لفظ « الطاغوت » لأن وزنه على قول « فعلوت » من الطغيان كملكوت ورحموت ، قلب بتقديم اللام على العين فوزنه « فعلوت » ففيه مبالغات التسمية بالمصدر والبناء بناء مبالغة والقلب وهو للاختصاص إذ لا يطلق على غير الشيطان .
تنبيه
كاد أهل البيان يطبقون على أن تقديم المعمول يفيد الحصر ، سواء كان مفعولا أو ظرفا أو مجرورا ، ولهذا قيل في
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
« 2 » معناه نخصك بالعبادة والاستعانة ، وفي
لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
« 3 » معناه إليه لا إلى غيره ، وفي
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
« 4 » أخرت الصلة في الشهادة الأولى وقدمت في الثانية ، لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم وفي الثاني إثبات اختصاصهم بشهادة النبي عليهم .
وخالف في ذلك ابن الحاجب ، فقال في شرح المفصل الاختصاص الذي يتوهمه كثير من الناس من تقديم المعمول وهم ، واستدل على ذلك بقوله
فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ
« 5 » ثم قال
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ
« 6 » ورد هذا الاستدلال بأن « مخلصا له الدين » أغنى عن إفادة الحصر في الآية الأولى ، ولو لم يكن فما المانع من ذكر المحصور في محل بغير صيغة الحصر ، كما قال تعالى
وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
« 7 » وقال
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
« 8 » بل قوله « بل اللّه فاعبد » من أقوى أدلة الاختصاص ، فإن قبلها
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
« 9 » فلو لم يكن للاختصاص وكان معناها « أعبد اللّه » لما حصل الإضراب الذي هو معنى بل .
واعترض أبو حيان على مدعي الاختصاص بنحو
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ
« 10 »
هامش
( 1 ) . الزمر / 17 .
( 2 ) . الفاتحة / 5 .
( 3 ) . آل عمران / 158 .
( 4 ) . البقرة / 143 .
( 5 ) . الزمر / 2 .
( 6 ) . الزمر / 66 .
( 7 ) . الحج / 77 .
( 8 ) . يوسف / 40 .
( 9 ) . الزمر / 65 .
( 10 ) . الزمر / 64 .