تخطي إلى المحتوى الرئيسي

گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
هو المقصود . ولا شك أن كل مركب من خاص وعام له جهتان : فقد يقصد من جهة عمومه وقد يقصد من جهة خصوصه . والثاني هو الاختصاص وأنه هو الأهم عند المتكلم وهو الذي قصد إفادته السامع من غير تعرض ولا قصد لغيره بإثبات ولا نفي . ففي الحصر معنى زائد عليه وهو نفي ما عدا المذكور . وإنما جاء هذا في
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
للعلم بأن قائليه لا يعبدون غير اللّه تعالى ، ولذا لم يطرد في بقية الآيات . فإن قوله
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
« 1 » لو جعل في معنى « ما يبغون إلا غير دين اللّه » وهمزة الإنكار داخلة عليه لزم أن يكون المنكر الحصر لا مجرد بغيهم غير دين اللّه ، وليس المراد . وكذلك
آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
« 2 » المنكر إرادتهم آلهة دون اللّه من غير حصر . وقد قال الزمخشري في
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
في تقديم « الآخرة » وبناء « يوقنون » على « هم » تعريض بأهل الكتاب وما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته ، وأن قولهم ليس بصادر عن إيقان وأن اليقين ما عليه من آمن « بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك » « 3 » وهذا الذي قاله الزمخشري في غاية الحسن . وقد اعترض عليه بعضهم فقال تقديم « الآخرة » أفاد ان إيقانهم مقصور على أنه إيقان بالآخرة لا بغيرها ، وهذا الاعتراض من قائله مبني على ما فهمه من أن تقديم المعمول يفيد الحصر . وليس كذلك . ثم قال المعترض وتقديم « هم » أفاد أن هذا القصر مختص بهم ، فيكون إيقان غيرهم بالآخرة إيمانا بغيرها حيث قالوا
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ *
وهذا منه أيضا استمرار على ما في ذهنه من الحصر ، أي أن المسلمين لا يوقنون إلا بالآخرة وأهل الكتاب يوقنون بها وبغيرها . وهذا فهم عجيب ألجأه إليه فهمه الحصر وهو ممنوع ، وعلى تقدير تسليمه فالحصر على ثلاثة أقسام : أحدها ب « ما وإلا » كقولك « ما قام إلا زيد » صريح في نفي القيام عن غير زيد ويقتضي إثبات القيام لزيد . قيل بالمنطوق وقيل بالمفهوم وهو الصحيح ، لكنه أقوى المفاهيم ، لأن إلا موضوعة للاستثناء وهو الإخراج فدلالتها على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم ، ولكن
هامش
( 1 ) . آل عمران / 83 . ( 2 ) . الصافات / 86 . ( 3 ) . البقرة / 4 .
گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 251 | جلال الدين السيوطي / دشتى