فائدة ثانية
تقدم أن التشبيه من أعلى أنواع البلاغة وأشرفها ، واتفق البلغاء على أن الاستعارة أبلغ منه ، لأنها مجاز وهو حقيقة والمجاز أبلغ ، فإذا الاستعارة أعلى مراتب الفصاحة وكذا الكناية أبلغ من التصريح والاستعارة أبلغ من الكناية ، كما قال في عروس الأفراح إنه الظاهر ، لأنها كالجامعة بين كناية واستعارة ولأنها مجاز قطعا وفي الكناية خلاف .
وأبلغ أنواع الاستعارة التمثيلية كما يؤخذ من الكشاف ، ويليها المكنية ، صرح به الطيبي لاشتمالها على المجاز العقلي ، والترشيحية أبلغ من المجردة والمطلقة ، والتخييلية أبلغ من التحقيقية ، والمراد بالأبلغية إفادة زيادة التأكيد والمبالغة في كمال التشبيه لا زيادة في المعنى لا توجد في غير ذلك .
خاتمة
من المهم تحرير الفرق بين الاستعارة والتشبيه المحذوف الأداة نحو « زيد أسد »
قال الزمخشري في قوله تعالى
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ *
« 1 » فإن قلت هل يسمى ما في الآية استعارة ؟ قلت مختلف فيه والمحققون على تسميته تشبيها بليغا لا استعارة ، لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون ، وإنما تطلق الاستعارة حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلوا عنه صالحا لأن يراد المنقول عنه والمنقول له لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام ، ومن ثم ترى المفلقين السحرة يتناسون التشبيه ويضربون عنه صفحا .
وعلله السكاكي بأن من شرط الاستعارة إمكان حمل الكلام على الحقيقة في الظاهر وتناسي التشبيه ، و « زيد أسد » لا يمكن كونه حقيقة فلا يجوز أن يكون استعارة ، وتابعه صاحب الإيضاح .
قال في عروس الأفراح وما قالاه ممنوع وليس من شرط الاستعارة صلاحية الكلام لصرفه إلى الحقيقة في الظاهر . قال بل لو عكس ذلك وقيل لا بد من عدم صلاحيته لكان أقرب ، لأن الاستعارة مجاز لا بد له قرينة ، فإن لم تكن قرينة امتنع صرفه إلى الاستعارة
هامش
( 1 ) . البقرة / 18 .